المتخصص في شئون الجماعات الإسلامية: 30 يونيو أفشلت مخطط مشروع الإسلام السياسي

د. عمرو عبد المنعم فى حواره مع محرر «اللواء الإسلامي»
د. عمرو عبد المنعم فى حواره مع محرر «اللواء الإسلامي»

د. عمرو عبد المنعم : 

الإخوان تعيد هندسة التاريخ للهروب من أخطائها

  قيادات إخوانية وضعت خطة العنف الدموي بعد الثورة

الجماعة تعيش أزمة مراجعة.. وتوظف الإعلام لنسج خيوطها

مع اقتراب الذكرى الثالثة عشرة لثورة 30 يونيو 2013، التي شكَّلت واحدة من أهم المحطات الفارقة في التاريخ المصري الحديث، تتجدد النقاشات حول التحولات السياسية والفكرية التي شهدتها الدولة المصرية خلال السنوات الماضية، وما ترتب عليها من تغييرات عميقة في المشهدين الداخلي والإقليمي.
وجاءت هذه الثورة في لحظة تاريخية دقيقة، عبَّر خلالها ملايين المصريين عن رفضهم للمسار الذي كانت تتجه إليه البلاد في ظل حكم جماعة الإخوان المسلمين، وسط مخاوف متزايدة من حالة الاستقطاب السياسي الحاد، وتراجع مؤسسات الدولة، وتصاعد التحديات الأمنية والاقتصادية والاجتماعية.
وفي هذا السياق، أجرت «اللواء الإسلامي» هذا الحوار مع د. عمرو عبد المنعم، الباحث المتخصص في شؤون الجماعات الإسلامية والتنظيمات المتطرفة، للحديث عن مستقبل جماعة الإخوان المسلمين، وموقفها من تاريخها، ورؤيته للتحولات التي يشهدها الإسلام السياسي، وأسباب استمرار محاولات توظيف التاريخ والإعلام في الصراع مع الدولة المصرية، فضلًا عن تقييمه لتجربة 30 يونيو ودور الرئيس عبد الفتاح السيسي فيها، والدروس التي يمكن استخلاصها منها في مواجهة الفكر المتطرف وحماية الوعي الوطني.

في البداية.. كيف تقيم دور الرئيس السيسي في ثورة 30 يونيو؟ وهل يمكن القول إن التاريخ سينصفه باعتباره الرجل الذي أنقذ مصر من حكم الجماعة الإرهابية؟

 لا يمكن الحديث عن ثورة 30 يونيو 2013 دون التوقف أمام الدور التاريخي للرئيس عبد الفتاح السيسي، الذي كان يشغل آنذاك منصب القائد العام للقوات المسلحة ووزير الدفاع. فالتاريخ لا يتوقف كثيرًا أمام التفاصيل اليومية بقدر ما يتوقف أمام اللحظات الفارقة التي تتغير فيها مصائر الدول والشعوب، و30 يونيو كانت واحدة من هذه اللحظات الاستثنائية.
وفي تقديري، فإن الرئيس السيسي اتخذ قرارًا تاريخيًّا بالغ الصعوبة في توقيت كانت فيه الدولة المصرية تواجه تحديات غير مسبوقة. فقد خرج ملايين المصريين إلى الشوارع مطالبين بالتغيير، وكانت البلاد تقف على حافة انقسام خطير ربما كان يقودها إلى سيناريوهات مشابهة لما شهدته بعض دول المنطقة من انهيار مؤسسات الدولة وانتشار الفوضى والصراعات الداخلية.
لقد انحاز الرئيس السيسي إلى الإرادة الشعبية التي عبرت عنها الحشود في الميادين، واضعًا مصلحة الوطن فوق أي اعتبارات أخرى، ومنذ تلك اللحظة بدأت مصر معركة طويلة ضد الإرهاب والتطرف ومحاولات إسقاط الدولة، وهي معركة دفعت فيها الدولة المصرية ثمنًا كبيرًا من دماء أبنائها من القوات المسلحة والشرطة والمدنيين.
وعندما يكتب المؤرخون هذه المرحلة بعد عقود، بعيدًا عن الاستقطاب السياسي والانفعالات الآنية، أعتقد أنهم سيتوقفون كثيرًا أمام شخصية الرئيس السيسي ودوره في الحفاظ على الدولة المصرية في واحدة من أخطر الفترات التي مرت بها في تاريخها الحديث؛ فالدول لا تسقط عادة بضربة واحدة، وإنما عبر مسارات طويلة من التفكيك وإضعاف المؤسسات، وكان الخطر الحقيقي آنذاك هو انتقال مصر إلى مرحلة يصعب بعدها استعادة الدولة الوطنية.
ما حدث في 30 يونيو لم يكن مجرد تغيير سياسي أو انتقال للسلطة، بل كان معركة وجود بالنسبة للدولة المصرية ومؤسساتها وهويتها الوطنية، ومن هنا جاء الدور المحوري للرئيس السيسي، الذي تحمل مسؤولية تاريخية في ظرف بالغ التعقيد، واستطاع أن يقود الدولة خلال مرحلة مليئة بالتحديات الأمنية والاقتصادية والإقليمية.

اقرأ ايضا: الباحثون والخبراء: ٣٠ يونيو.. أنقذت هوية الدولة المصرية واستعادت الوطن

ولهذا أرى أن التاريخ سيذكر للرئيس عبد الفتاح السيسي أنه كان أحد أبرز القادة الذين واجهوا مشروعًا سياسيًّا وتنظيميًّا اعتبره قطاع واسع من المصريين تهديدًا لهوية الدولة الوطنية واستقرارها، وأنه لعب دورًا محوريًّا في الحفاظ على تماسك مؤسسات الدولة ومنع انزلاق مصر إلى الفوضى التي شهدتها دول أخرى في المنطقة.

والتاريخ في النهاية لا يحكم بالشعارات، وإنما بالنتائج، التي تؤكد أن الدولة المصرية بقيت قوية ومتماسكة وقادرة على مواجهة التحديات، رغم كل ما واجهته من مخاطر خلال تلك المرحلة.

ممارسة الإرهاب

تعددت الأسماء الحركية داخل جماعة الإخوان، خاصة بين قيادات الجماعة، فما الغرض من ذلك؟

الأسماء الحركية داخل الجماعة كان الغرض منها التمويه وقضاء مهام الجماعة في سرية تامة، فكان الاسم الحركي للقيادي الإخواني محمود عزت هو «بابا محمود»، أما الإخواني محمد كمال فكان اسمه الحركي هو «ضياء الدين الأسد».

كيف يرى الغرب جماعة الإخوان؟

 وزير الخارجية الأمريكي «ماركو روبيو» صنف جماعة الإخوان المسلمين السودانية، التي دربها ودعمها الحرس الثوري الإيراني، كمنظمة إرهابية عالمية، واعتبر «روبيو» أن التصنيف جاء بشكل خاص بسبب تنفيذ الجماعة إعدامات جماعية بحق مدنيين في السودان.

وقال روبيو: «سنواصل استخدام كل الأدوات المتاحة لحرمان النظام الإيراني وفروع جماعة الإخوان المسلمين من الموارد التي يحتاجونها لممارسة الإرهاب أو دعمه».

فالعالم بدأ الآن ينفر من الإخوان المسلمين ويعتبرها جماعة متطرفة تستخدم الدين للوصول إلى أهدافها السياسية، فهي أداة تخريب لهدم الدول، والغرب الآن بدأ في حظر وملاحقة جماعة الإخوان في كثير من الدول الغربية.

أنشطة مشبوهة

 وما تأثير ذلك على جماعة الإخوان؟

 تعيش جماعة الإخوان حاليًا صدمة كبيرة من المجتمع الدولي الغربي، الأمريكي منه والأوروبي، بعد قرار البرلمان الفرنسي بإدراج الجماعة على قوائم الإرهاب الدولي، وحالة الفزع من اعترافات الإرهابي «علي عبد الونيس» التي كشفت تورط كثير من الأجنحة والجبهات الإخوانية في دعم الخلايا النوعية وأنشطتها تجاه الدولة المصرية، مما يستتبع ذلك تحركات دولية أخرى في المستقبل تخص مؤسسات الإخوان وأموالها وأفرادها في كثير من الدول، التي تقدرها بعض الدراسات الغربية بـ82 دولة عبر العالم، مما جعل الجماعة تتحرك بالتوازي مع هذه التطورات.

وهذا التحرك يجعلهم ينسجون روايات وأحداثًا تخص موقفهم من العنف بما يوازي تحركات الدولة المصرية مؤخرًا مع تحركات بعض الدول الأوروبية والمجتمع الدولي بشكل عام.

وخلال الأيام الماضية استدعت جماعة الإخوان جميع أحداث العنف التي مارستها في السابق في تركيبة عجيبة؛ لتلقي كرة العنف في ملعب جماعات أخرى مثل الجماعة الإسلامية والجهاد والتكفير والهجرة، لتبرئ ساحتها من ممارسة العنف والإرهاب طوال الحقب الماضية.

 اقرأ ايضا:جماعة الإخوان منبوذون داخليا وخارجيا

وحتى العمليات الثابتة على التنظيم، ادعت ونظَّرت أنها لم تكن من القيادة المركزية أو من مكتب إرشادها القديم أو الحديث، مكتفية بأن القيادة لم تأمر بهذا التوجه، وأنها فصلت كثيرًا من عناصرها التنظيمية بسبب هذا التوجه، مثل البيان الصادر عن جبهة لندن بقيادة صلاح عبد الحق بعنوان: «اتهام الإخوان بالعنف ضد الدولة أو أجهزتها، وربطها بأفراد ومجموعات انفصلت عنها، هو مؤامرة يُسأل عنها النظام المصري!» بتاريخ 4 أبريل 2026م.

وفي سابقة ليست جديدة على الجماعة، لكن الجديد أنها تشن حملة لإعادة قراءة الماضي بانتقائية شديدة، تعمل عليها بكل المستويات التوثيقية والإعلامية والبحثية.

وهنا لا يكفي القول إن «القيادة لم تأمر»، لأن المنهج التاريخي للجماعة يحمّل التنظيم مسؤولية النية التي أنتجت الفعل، لا النية المعلنة فقط، فالنتيجة التي يصل إليها أغلب المؤرخين، مثل طارق البشري ومحمد حسنين هيكل وأحمد حمروش وبريجار ليا، أو حتى شهادات أحمد عادل كمال وصلاح شادي ومحمود الصباغ، ليست ثنائية بل مركبة، وتؤكد أن الإخوان ليست حركة سلمية، فالعنف كان عندهم أداة مرحلية مرتبطة بالسياق، تُفعَّل أو تُجمَّد حسب ميزان مواجهة الأنظمة لها، وهذا ما يفسر تبرؤ القيادة أحيانًا وصمتها أحيانًا أخرى، وازدواجية الخطاب بين العلن والسر في كل المراحل التاريخية.

الهيمنة الثقافية

 ألا ترى أن هناك محاولة لتوظيف الخريطة الإدراكية على وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام غير التقليدي لصالح الإخوان؟

مؤخرًا، اعتبر رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين «علي محيي الدين القره داغي» الإعلام هو الجهاد الحقيقي والجهاد الكبير، فهي حقيقة يُراد بها باطل، وهذا مكمن الخطر.

فهناك تيارات تعمل على الوصول إلى المستخدم لتوظيف خرائطه الإدراكية وهندسة الجمهور والمجتمعات، وإذا لم يستطع هؤلاء الوصول إليهم، فإنهم يعملون على تعديل خرائطهم الإدراكية عبر إثارة العواطف؛ لأنها كالصواعق والعواصف المرسلة التي تجني ثمارها ولو بعد حين.

وفي النهاية تدفع المجتمعات، وخاصة الشباب، الثمن. فالشباب، ذلك العود الأخضر الذي في الغالب لا يملك وسيلة للتثبت من المعلومات والحقائق التاريخية، وبعضهم لديه كسل في عملية التثبت، فيتم التلاعب بعقولهم ووجدانهم وقيادهم، فيقع هؤلاء في فعل العنف فيما بعد، كما شاهدنا في معظم أحداث وقصص العنف في الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي.

ثم تعمل مجددًا الخرائط الإدراكية الموجهة على إغراق المجتمعات بأسطورة المؤامرة وكبش المحرقة وضياع هيبة الدين، وبعد أن استخدم هؤلاء مفاهيم ومصطلحات الدين، يأتي التاريخ، والتاريخ دراسة وصنعة وعلم وحرفة، فحرفة المؤرخ وصنعته ليست بالهوى ولا بالأيديولوجيا الفائتة.

لقد علمنا التاريخ أن هناك جنودًا في المعركة الخطأ، وهناك محاربون لم يصبحوا أبدًا مجاهدين؛ لأنهم اختاروا المعارك الخاطئة وأثاروا الفتن عند شعوبهم، وهناك من البسطاء محاربون ومجاهدون بالفطرة أخذوا أجر الجهاد في الدنيا، وفي الآخرة ينتظرون أجرهم من الله.

ولماذا يحاول الإخوان توظيف التاريخ في معركتهم مع الدولة المصرية؟

 الجماعة تلملم قصاصات حوادث العنف التي مارستها وتؤولها لتاريخها مرة أخرى، إنها قراءة ضريرة للتاريخ، وإعادة إنتاج للمنتج القديم في عصر لم يعد فيه الفقيه الأوحد ولا العالم الذي يتزاحم الناس على مجلسه.

أنشطة «الملمة» البحثية لا تنصر سياسة ولا تغني ولا تسمن من جوع، فقد أضرت الجماعة بشباب الأمة وأضرت بوطنها، حتى إن المؤسسات البحثية التي كانت تقف معها في الغرب وتراها جماعات ضغط استفادت منها، لفظتها الآن، وتعمل حاليًا على وضعها على قوائم الإرهاب.

وينطبق هذا على كل من يلوي عنق التاريخ لتطبيق نظرته المفاهيمية على الأحداث، سواء الحالية أو الماضية، وهي ما يعرف بنظرية التلاعب الأيديولوجي بالتاريخ (Ideological Revisionism)، أو ما يطلق عليه المؤرخ الإيطالي «أنطونيو جرامشي» نظرية الهيمنة الثقافية، أي أن الحركات الساعية إلى السلطة لا تكتفي بالقوة المادية فقط، بل تعمل على السيطرة على الوعي الجمعي عبر الإعلام والثقافة والتعليم والتاريخ، وأن تستدعي التاريخ كأداة تعبئة سياسية أو اجتماعية لصالح أهدافها الوقتية.

وما كل من قاسى الأمور وساسها يوفَّق للأمر الذي هو أحزم، فذاكرة التاريخ لها رجالها، والوطن باقٍ بذاكرة هؤلاء الأبطال.

السلمية المبدعة

 ولماذا يهرب الإخوان دائمًا من تاريخهم الدموي؟

الإخوان يعانون عبر تاريخهم من عقدة الاضطهاد، والهروب منه والملاحقة الأمنية دائمًا ما يكون بالعمل السري والتنظيم الخاص، وهي أكبر العقد النفسية عندهم، فالـ«أنا» عندهم عالية، وكما قال أهل التصوف: «من قال أنا ذاق العنا».

اقرأ أيضا: كيف أدار محمود عزت مفاصل التنظيم من الظل

وعبر السنوات الماضية، اتخذ مكتب إرشاد الجماعة قرارات سرية كثيرة أثرت على مصير الجماعة، مثل قرار المواجهة مع الدولة المصرية ورفع الشعار الكاذب: «سلميتنا أقوى من الرصاص»، فتطورت «سلميتنا» بطعم الرصاص، وتم استلهام خط تجربة «نيلسون مانديلا» في جنوب أفريقيا التي انتهت بشفرة السلمية المبدعة.

وكانت البداية من الإخوان بعد ثورة 30 يونيو 2013 باستهداف البنية التحتية للدولة المصرية، عبر استهداف أبراج الكهرباء وشبكات السكة الحديد والإنترنت والصرف والري وأبراج التحويلات الخاصة بمدينة الإنتاج الإعلامي، وتعطيل الطرق والكباري.

وخطة عنف الجماعة وضعتها بقيادة أعضاء مكتب الإرشاد الثلاثة: «محمد عطية وهدان، ومحمد سعد عليوة، ومحمد عبد اللطيف الحليسي»، وتم استهداف الطرق والمقرات الشرطية والأمنية في كثير من المحافظات، وانتهت هذه التجربة بالفشل، واختلفوا فيما بينهم حول جدوى هذه العمليات، وتم القبض حينها على أعضاء مكتب الإرشاد الثلاثة، ووقفوا أمام القضاء ينكرون، لكن القرائن والأدلة ساقتهم إلى الأحكام.

استهداف الأرواح

 لكن الجماعة قتلت العميد رجائي والنائب العام المستشار هشام بركات، وحاولت اغتيال مفتي الجمهورية علي جمعة في مسجده قبل صلاة الجمعة في أحد الأيام؟

 نعم، تحول الاستهداف من البنية التحتية إلى استهداف الأرواح، وتولى حينها، بعد عام 2015، القيادي الإخواني محمد كمال الجناح المسلح للإخوان، وحوَّل الأمر إلى تدريبات قتالية، وأرسى دعائم مجموعات الخلايا النوعية التي باشرت عمليات القتل وسفك الدماء، وتدربت على القتال خارج مصر في بعض الدول الإقليمية.

وأعدت القيادة دراسة أطلقت عليها «فقه المقاومة الشعبية»، وبدأت مسيرة أخرى من فكرة الجماعة نحو العنف، فالمشكلة أن الجماعة تنكر أن هذا الأمر حدث، ونتج عن ذلك مشكلات وانقسامات، ووقف شباب الجماعة الذين تم توجيههم نحو العنف في مواجهة القيادات ليقولوا لهم الآن: «تقولون إن القيادة لم تأمر»، ما هذا العبث؟ نحن من أبناء الإخوان أم أبناء داعش أم أبناء القاعدة؟
وهنا دبَّ خلاف آخر في هذه المجموعات التي شاركت في كل أحداث العنف.

أفكار قطب

 لكن ما هي جذور قصة العنف عند الإخوان؟

 القصة بدأت منذ أيام سيد قطب، عندما تأثر شاب إخواني بأفكار سيد قطب، فترجمها في خطة لاستهداف شخصية جمال عبد الناصر، وضرب القناطر الخيرية، واغتيال شخصيات في الجيش والشرطة، وضرب مؤسسات الدولة مثل الإذاعة والتلفزيون، وحفلات أم كلثوم، ومحاولة اغتيال الفنانين مثل فريد الأطرش وعبد الحليم وهند رستم.

وقد وضع هذه الخطة شاب في التنظيم آنذاك اسمه محمود فخري، رسمها على ورقة وكتبها بخط جميل جدًا، وتم ضبطها. وعندها قالت بعض قيادات الجماعة له: «القيادة لم تأمر».

اقرأ أيضا: قراءة نقدية في مفهوم الجاهلية عند المودودي وسيد قطب

وقد ذكر هذه القصة القيادي الإخواني محمد الصاوي في وثيقتين للجماعة؛ الأولى في قصة تنظيم 65 الخاصة بالقيادي الإخواني سيد قطب، حيث ذكر قصة محمود فخري في الصفحتين 303 و304، وكتاب آخر عن الإخوان في السجون من عام 42 إلى عام 74، وقص هذه القصة في الصفحة 111 باعتبارها ملفقة على الجماعة من البوليس الحربي ونظام الرئيس الراحل جمال عبد الناصر.

لكن قصة محمود فخري تتجدد في كل مرحلة تاريخية، متبعين سياسة «نضع العربة أمام الحصان»، وينطلق الحصان بالعربة، ونقول بعد ذلك: «لم نأمر الحصان بقيادة العربة!».

هذه هي الكارثة الكبرى، فنحن أمام مشكلة كبيرة جدًا، وهي تعبئة الأمور وتسخين الشباب، وبعد ذلك نقول: «ليست هذه أفكارنا».

اجتهادات بشرية

وهل هناك حل جذري في التعامل مع هذه الأفكار؟

الأفكار ستنمو طالما هناك أزمات سياسية، وأفكار الغلو تعيش بعض الوقت، لكن تهيئة المناخ العام وإعداد خطة لمواجهة الأفكار هي مهمة الدولة وليست الأفراد.

فمواجهة البلطجة والخروج على القانون والتطرف أينما كان، علمانيًا أو حزبيًا، كل هذا يدفع في دعم هوية مصر الفكرية والثقافية.
فالإسلام، بوصفه دينًا وحضارةً ومنظومةً أخلاقيةً وفكريةً متكاملة، لا يمكن اختزاله في تجارب جماعات التطرف أو العنف التي ظهرت في بعض الفترات التاريخية، ولا يجوز أن تُقدَّم هذه الجماعات باعتبارها الممثل الحقيقي للإسلام أو الناطقة باسمه.

فهذه التنظيمات، مهما رفعت من شعارات دينية أو استندت إلى تأويلات خاصة لبعض النصوص، تبقى مجرد اجتهادات بشرية محدودة ارتبطت بظروف سياسية وفكرية واجتماعية معينة، وقد أثبت الواقع والتاريخ أن كثيرًا منها انتهى إلى الفشل أو التراجع أو المراجعات الفكرية بعد أن اكتشف أتباعها ما وقعوا فيه من أخطاء في الفهم والتنزيل والتطبيق.

ولذلك فإن الاختلاف الفقهي في جوهره ليس مشكلة ينبغي القضاء عليها، بل هو ظاهرة صحية تعكس حيوية الفكر الإسلامي وقدرته على التفاعل مع الواقع المتغير.

ومن هذا المنطلق، فإن مواجهة التطرف لا ينبغي أن تقتصر على تفنيد أفكار الجماعات المتشددة أو استعراض أخطائها فحسب، بل يجب أن تتجاوز ذلك إلى تقديم البديل الفكري والعلمي القادر على جذب العقول وإقناع الأجيال الجديدة.

فالفراغ الفكري غالبًا ما يكون البيئة المناسبة لنمو الأفكار المتطرفة، أما حين يجد الشباب نماذج علمية رصينة، ومشروعات فكرية جادة، وخطابًا دينيًا متوازنًا يجمع بين الأصالة والمعاصرة، فإن فرص الانجراف نحو الغلو والتشدد تتراجع بشكل كبير.

تراث العلماء

ويجب أيضًا إحياء تراث كبار العلماء والمجددين الذين قدموا نماذج مضيئة في الفقه والفكر والدعوة والإصلاح، والذين استطاعوا الجمع بين احترام النصوص الشرعية وفهم متطلبات العصر.

 

ترشيحاتنا