بقلم: نيفين ياقوت
مع تنوع وتفاقم المشكلات المجتمعية، تزايد الاحتياج إلى سنِّ قوانين جديدة، وتعديل الكثير منها، وإنشاء لوائح وقواعد وقرارات للرقابة والمتابعة حتى تستقيم الحياة ويستقر المجتمع. ربما تتحقق النتائج المرجوة، وربما لا تتحقق. فنحن نعيش ونرى الكم الهائل من الجرائم بمختلف أنواعها، لأن التكنولوجيا الحديثة أظهرت للجميع ما كان مخفيًّا علينا من ذي قبل، ورغم ذلك لا يزال الكثير من أنواع الشر لا يستطيع أي رقيب ولا كاميرات مراقبة أن ترصده، ويبقى هناك رقيب واحد لا يمكن التحايل عليه أو الإفلات من سلطانه، إنه الضمير الذي يمنحه الله عز وجل لمن يستحق.
أقرأ أيضًا| البرشامة القاتلة
أجل، منحة عظيمة تُسمى الضمير الحي، ذلك الصوت الخافت الذي يسكن أعماق الإنسان التقي النقي، فيعاتبه إذا أخطأ، ويطمئنه إذا أحسن، ويجعله يحاسب نفسه قبل أن يحاسبه الآخرون.
غير أن الضمير وحده قد يضعف أحيانًا أمام المغريات والشهوات والمصالح، وهنا تأتي التقوى لتكون السند الذي يحفظه والرفيق الذي يقويه. فالتقوى والضمير توأمان لا يفترقان، فإذا صلحت إحداهما قويت الأخرى، وإذا غابت التقوى ذبل الضمير حتى يكاد يموت.
التقوى ليست مجرد شعائر تُؤدَّى أو كلمات تُردد، بل هي حالة من اليقظة الدائمة تجعل الإنسان يستشعر مراقبة الله له في السر والعلن. إنها ذلك الحاجز الخفي الذي يمنعه من الظلم حين يستطيع أن يظلم، ويمنعه من الخيانة حين يجد الفرصة سانحة، ويمنعه من الكذب حتى لو ضمن النجاة به.
أما الضمير فهو الترجمة العملية لهذه التقوى داخل النفس البشرية. فكلما ازداد الإنسان قربًا من الله، ازدادت حساسيته تجاه الخطأ، وأصبح ضميره أكثر حياة ونقاءً. ولهذا كان أصحاب الضمائر الحية أكثر الناس حرصًا على حقوق الآخرين، وأشدهم خوفًا من إيذاء أحد أو أكل حق أو نشر باطل.
ولعل أخطر ما يصيب المجتمعات ليس الفقر ولا قلة الإمكانات، وإنما موت الضمير. فحين يموت الضمير يصبح الغش ذكاءً، والخداع شطارة، والظلم قوة، والكذب مهارة. وعندها تفقد القوانين هيبتها، وتفشل العقوبات في ردع النفوس، لأن المشكلة لم تعد في غياب النصوص، بل في غياب الوازع الداخلي.
لقد غرس الإسلام هذه الحقيقة منذ قرون، فربط بين صلاح المجتمع وصلاح القلوب، وبين استقامة السلوك وخشية الله. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، فاستشعار رقابة الله هو الذي يصنع الإنسان الأمين حتى في غياب الرقيب البشري.
التقوى ليست عبئًا على الإنسان، بل هي حارس لكرامته وإنسانيته. والضمير ليس مجرد شعور عابر، بل هو النور الذي يهدي صاحبه وسط ظلمات الفتن والمغريات. فإذا اجتمعت التقوى والضمير في قلب واحد، خرج منه إنسان صالح، وأُسرة مستقرة، ومجتمع قادر على النهوض مهما اشتدت التحديات.
فالتقوى والضمير توأمان وُلدا معًا، ولا يكتمل أحدهما إلا بالآخر، وإذا أردنا مستقبلًا أفضل لأبنائنا وأوطاننا، فلنبدأ بإحياء هذا التوأم في قلوبنا قبل أي شيء آخر.



