بقلم: وائل عثمان
ثمة فارق جوهري بين الاختلاف والشجار، فارق لا يلتفت إليه كثيرون؛ لأن المشهد الخارجي يبدو واحدًا في الحالتين: طرفان يتحدثان بأصوات مرتفعة، وكل منهما يرى أنه على حق. لكن الاختلاف الحقيقي فعل حضاري راقٍ، يفترض أن يدخله الطرفان وهما يحملان استعدادًا للاستماع بقدر استعدادهما للكلام، أما الشجار فهو مبارزة لا يبحث فيها أحد عن الحقيقة، بل عن الانتصار، وهذا بالضبط ما يجري في غالب نقاشاتنا اليوم.
أقرأ أيضًا| التنمر.. خطر يستدعي المواجهة
الإنسان حين يدخل نقاشًا وقد حسم مسبقًا أن رأيه صحيح ورأي خصمه خطأ، لا يكون في حوار، بل في محاكمة هو فيها القاضي والمدعي في آنٍ واحد. يسمع ما يقوله الطرف الآخر لا ليفهمه، بل ليرد عليه، ويلتقط من كلامه ما يخدم حجته، ويتجاهل ما قد يُربكها. وهذا النوع من الاستماع الانتقائي هو السمة الأبرز لثقافة التشاجر التي باتت تُهيمن على حياتنا العامة والخاصة على حدٍّ سواء.
ومنصات التواصل الاجتماعي لم تخلق هذه الظاهرة، لكنها ضخّت فيها وقودًا هائلًا. فطبيعة هذه المنصات تكافئ الحدة وتُعاقب الاتزان؛ فالمنشور الاستفزازي ينتشر أسرع من المنشور المتوازن، والتعليق الحاد يحصد تفاعلًا أكثر من التعليق الرصين. وبمرور الوقت يتعلم المستخدم هذه المعادلة بوعي أو بغير وعي، فيُطعم نقاشاته بجرعات من الحدة والقطعية؛ لأن الخوارزمية تُكافئه على ذلك بانتشار أوسع وتفاعل أكبر. وهكذا تتحول الحدة من سلوك طارئ إلى أسلوب راسخ.
لكن المشكلة تسبق المنصات وتتجاوزها، فنحن لم نتعلم في مراحل تكويننا الأولى كيف نختلف. فالمدرسة لا تُعلم الجدل المنهجي، ولا تُدرّب على تقبّل الرأي المخالف، والبيت في أحيان كثيرة يُرسّخ قناعة مفادها أن رأي الأسرة هو الصواب وما عداه باطل، والمجتمع يُكافئ الانسجام ويرى في الاختلاف تهديدًا للتماسك. وينتج عن هذا كله إنسان لا يملك أدوات الاختلاف الصحي، فحين يواجه رأيًا مغايرًا لا يجد في جعبته سوى الرفض العاطفي أو الهجوم الشخصي.
والاختلاف الحقيقي يستلزم شجاعة من نوع خاص، شجاعة أن تقول في منتصف النقاش: «لم أكن أعرف هذا»، أو «هذه نقطة وجيهة لم أفكر فيها». هذه الجمل البسيطة التي تبدو سهلة في النظر تستعصي على كثيرين في الممارسة؛ لأن قولها يعني الاعتراف بأن الصورة التي رسمتها في ذهنك عن الموضوع كانت ناقصة. وهذا الاعتراف يتطلب أن يكون الإنسان أكثر اهتمامًا بالحقيقة من اهتمامه بصورته أمام الآخرين، وهو شرط لا يستوفيه إلا القليلون.



