استراحة لغوية

متعة القراءة في كتاب سيبويه

د. أحمد درويش
د. أحمد درويش

بقلم: د. أحمد درويش
ليست المعارفُ اللغويةُ معارفَ منبتةً عن الحياة، وإنما تزيد المرء فصاحةً وقدرةً على اختيار كلماته ومفرداته، والنحو هو ذلك المرفأ الآمن الذي يرسو كل متصدر للكلام على شطآنه... يحتاجه رجال السياسة والقضاء، والمعلمون كل المعلمين، والمعلقون، والمديرون، والمذيعون... و... و...
ومن أجل هذا نحاول هنا تزجية بعض المعارف؛ لعلها تفيد المتكلم والكاتب... لأننا هنا مقتنعون أن بُلَّةً من بحر قد تُثلج صدرًا أو تشفي أوامًا أنجع بكثير من إهمال وترك.

اقرأ ايضا : البيان في تجليات القرآن .. ما الفرق بين (يشرب من) وبين (يشرب ب) في سورة الإنسان؟

السؤال الأول: أيهما أدق: المرأة جبان أم المرأة جبانة؟
الأدق هنا أن تقول: (امرأة جبان)؛ لأن (فَعَال) مما يستوي فيه المذكر والمؤنث، رجل جبان وامرأة جبان. قال سيبويه: "قالوا للمرأة... جبُنت جُبنًا، وهي جبان".
ولعلني دقيق هنا، فقد قلت: الأدق، وإن أجاز أصحاب المعاجم: امرأة جبانة... كما في اللسان وغيره... فقط نلمح إلى أن الأصح غير مشهور، والأقل صحة هو المشهور... وهكذا الحياة... فلو كانت الأرزاق تجري على الحِجَا... هلكن إذن من جهلهن البهائم.
السؤال الثاني: تقول: مالك شجاع، هل يجوز أن تقول: مالك شجيع؟
قال سيبويه: "قالوا شجع شجاعةً، وهو شجاع، وقالوا: شجيع، وفعيل أخو فُعال"... فلنتأمل.
السؤال الثالث: ما مصدر الأفعال الآتية: قوي، وكثُر، وقبُح، ونبُل؟
هذه أفعال ثلاثية، مصادرها على الترتيب: (قوة، وكثرة، وقُبْح، ونُبْل)، وهذا هو المشهور. وثمَّ مصادر أخرى أثبتها سيبويه لهذه الأفعال، على قلة شهرتها، فيجوز: قوي/ قَوَاية، وكثر/ كَثارة، وقبح/ قُبُوحة، ونبل/ نَبالة...
وبعد، فقد قال الأستاذ المنفلوطي في "النظرات":
"وبعد، فإني لا أرى لك، يا طالب البيان، سبيلًا إليه إلا مزاولة المنشآت العربية، منثورها ومنظومها، والوقوف بها وقوف المتثبت المتفهم، لا وقوف المتنزه المتفرج، فإن رأيت أنك قد شُغفت بها... ولذَّ لك منها ما يلذ للعاشق من زورة الطيف في غرة الظلام، فاعلم أنك قد أخذت من البيان بنصيب، فامض لشأنك، ولا تلوِ على شيء مما وراءك حتى تبلغ من طلبتك ما تريد".
"فلا مجد إلا مجد العلم".