بقلم: د. أحمد درويش
حروف القرآن لها قَدْحٌ مُعَلّى في فهم القرآن وتباين أغراضه ومراميه.
قال ربنا:
﴿إِنَّ الأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾
أيقظت هذه الآية الكريمة أنظار عاشقي القرآن ومتدبّريه، والسبب في ذلك الإيقاظ حرف الجر (الباء). ذلك أنهم كانوا يقرؤون في أمان الله: (يشربون من كأس)، وهذه هي العادة، لكن أقضّ المضجع حرف الباء: (عينا يشرب بها عباد الله)؛ (يشرب بها؟!).
فسُئل: ولمَ جاءت (الباء) هنا لا (من) كما هو الشأن؟ فساءل الناس ودار البحث، فكانت من الاتجاهات ما يلي:
الاتجاه الأول:
أن الفعل (يشرب) يتعدّى بالحرفين (من) و(الباء)، والدليل الآيتان محل البحث، فيجوز تناوب الحرفين. ولا يخفى أن في هذا الاتجاه تيسيرًا للنفس من عناء البحث والتأويل.
الاتجاه الثاني (التضمين):
وهو اتجاه ابن القيم الجوزية ومن نحا نحوه، حيث قالوا بتضمين الفعل معنى (يرتوي)، فيكون (يشرب) مضمّنًا معنى (يرتوي بها). فيجتمع في ذلك دلالة الفعل الصريح (يشرب)، ودلالة الفعل المضمَّن، وهو ما يقتضيه الحرف (الباء)، مع غاية الاختصار. وهذا من بديع اللغة ومحاسنها وكمالها، كما ذكر في بدائع الفوائد.
الاتجاه الثالث:
وهو اتجاه الزمخشري، حيث أبقى التركيب على حاله محللًا ومعلّلًا، فقال:
إن (الكأس) هي مبدأ شربهم وأول غايته، أما (العين) فهي التي يُمزَج بها شرابهم، فكان المعنى: يشرب عباد الله بها الشراب، كما تقول: شربت الماء بالعسل.
أقرأ أيضا : من لغويات سيبويه في الكتاب
وهذا توظيف دقيق لماهية الحرف ومحاولة لاستكناه فقهه؛ فالكأس بأيديهم، كلما فرغت مُلئت، ولذة الشرب ممزوجة بلذة العين، فجاءت الباء دالة على شدة الالتصاق والقرب.
وهو المعنى الرئيس للباء عند النحاة (الإلصاق)، وسماه سيبويه (الإلزاق)، ومعناه شدة اتصال الشيء بالشيء. فكانت (من) لمبدأ الشرب، وكانت (الباء) لرسْم شدة الاتصال بالعين، وفي ذلك مزيد مبالغة في وصف النعيم الذي هم فيه، إذ لا يحتاجون أن يشربوا منها فقط، بل يشربون بها مباشرة.
والحق أن هناك لمحة أشار إليها الدكتور فاضل السامرائي، حيث فرّق بين فريقين:
فريق الأبرار: ﴿يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ﴾
وفريق عباد الله: ﴿يَشْرَبُ بِهَا﴾
ذلك أن الجزاء يتفاوت بحسب المقامات؛ فالأبرار دون عباد الله منزلة، وعباد الله أعلى مرتبة، وكلما كانت العبودية أكمل كان القرب أعظم. لذا جاء نعيم الأبرار ممزوجًا (كأسًا فيها كافور)، بينما جاء نعيم عباد الله من عينٍ خالصة، وهي مرتبة أسمى وأرقى.



