بقلم: أحمد خميس بصلة
عُرف بدقة إتقانه ومهارته الفائقة في رواية الإمام ورش، فكان مقصد العلماء ومرجعهم في هذا الفن الرفيع، وحاملًا لواءه على أكمل وجه.. هو أبو الحسن إسماعيل بن عبد الله بن عمرو بن سعيد بن عبد الله النحّاس، إمام جليل في علم القراءات.
مولده
ولد إسماعيل بن عبد الله النحّاس، أبو الحسن، في حدود سنة 210 هـ تقريبًا، ونشأ في أجواء علمية زاخرة بحلقات الإقراء في مصر، حيث تلاقت فيها أصوات القراء وحفاظ الروايات، وفي تلك البيئة المفعمة بروح القرآن، تهيأت له أسباب التلقي منذ حداثته، فشبّ على محبة كتاب الله وإتقان أدائه، حتى أصبح من كبار المتقنين لرواية ورش، وجوّد القرآن على أبي يعقوب الأزرق سبع عشرة ختمة، مما صقل ملكته ومهّد له مكانته المرموقة في عالم القراءات.
أقرأ أيضًا| عبد الصمد بن عبد الرحمن.. شيخ القراءات في مصر في القرن الثاني الهجري
حياته العلمية وإتقانه
نشأ إسماعيل بن عبد الله في أجواء علمية أهلته للتبحر في علم القراءة، فكان من أوائل من اشتهروا بإتقان رواية ورش في مصر، أخذ القراءة عن أبي يعقوب الأزرق، وختم عليه القرآن سبع عشرة مرة، كما قرأ على يوسف بن عمرو بن يسار المدني صاحب ورش، وتلقى عن عبد القوي بن كمونة، وعبد الصمد بن عبد الرحمن حتى سورة طه، وعمرو بن بشار الكناني، فتنوعت موارده العلمية ورسخت معرفته بهذا الفن.
وبعد تأهله للإقراء، جلس للتعليم في مكتبه وفي جامع مصر، فقصده الطلاب من مختلف البلاد لما عُرف به من دقة وإتقان، وظل مرجعًا في رواية ورش حتى آخر عمره، ولم يمنعه فقد بصره من مواصلة الإقراء، فبقيت حلقته عامرة بالطلاب الذين حملوا علمه ونشروا طريقته في الأمصار.
شيوخه
تلقى النحاس العلم على يد نخبة من كبار الشيوخ الذين كانوا بمثابة الينابيع التي تفيض بالعلم، ومن أبرزهم:
• الشيخ عبد القوي بن كمونة.
• الشيخ عبد الصمد بن عبد الرحمن، الذي قرأ عليه إلى سورة طه.
تلاميذه الذين حملوا راية الإقراء
تتلمذ على يدي إسماعيل بن عبد الله النحّاس كوكبة من القراء الذين نشروا علمه وحملوا راية الإقراء بعده، ومن أبرزهم:
◄ الشيخ أبو جعفر أحمد بن عبد الله بن هلال الأزدي.
◄الشيخ حمدان بن عون الخولاني.
◄ الشيخ محمد بن خيرون الأندلسي.
◄ الشيخ أبو الحسن بن شنبوذ.
◄ الشيخ أحمد بن إبراهيم الخياط.
شهادات العلماء ومكانته
ازدانت سيرة إسماعيل بن عبد الله النحّاس بثناء كبار أهل القراءات والمحدثين، إذ تضافرت شهاداتهم على وصفه بالدقة المتناهية والإتقان البالغ في قراءة ورش. فقد روى النقّاش أنه قرأ على عبد الصمد بن عبد الرحمن إلى سورة طه، وعلى ابن كمونة ختمتين، وكان محققًا مجودًا، بصيرًا بقراءة ورش، ورحل القراء إليه من البلاد، وهي شهادة تكشف عن عمق تضلعه في هذا الفن وحرص طلاب العلم على ارتياد مجلسه من شتى الأقطار.
وذكر ابن شنبوذ أنه أخبره بنفسه أنه قرأ على أبي يعقوب الأزرق ختمتين، في دلالة واضحة على قوة سنده وحرصه على الاستزادة من أعلام الأداء. أما الإمام الذهبي فقد جمع الثناء كله في عباراته فقال: كان محققًا مجودًا، بصيرًا برواية ورش لا يتقدمه فيها أحد، ورحل القراء إليه من البلاد، وكان يقرئ بمكتبه وبجامع مصر، وكفّ بصره في آخر عمره.
وفاته
في أواخر القرن الثالث الهجري، طويت صفحة حياة الإمام إسماعيل بن عبد الله النحّاس، بين عامي 281 هـ و290 هـ تقريبًا، بعد عمر مديد عاشه في خدمة كتاب الله، يقرئ ويُحكم ويُتقن حتى آخر لحظة من حياته. ورغم أن البصر قد غاب عن عينيه في أواخر أيامه، فإن بصيرته ظلت مضيئة بنور القرآن، تهدي القلوب وتزرع في طلابه حب الإتقان وصدق النية.



