بقلم: د. أنور منير
يُعد ابن عطية الأندلسي من كبار علماء التفسير في الأندلس، ومن الأعلام الذين برزوا في خدمة القرآن الكريم تفسيرًا وتحليلًا، حيث جمع بين سعة الاطلاع اللغوي والدقة الأصولية والقدرة على الترجيح بين الأقوال، مما جعل تفسيره «المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز» من أهم المصنفات التفسيرية التي اعتنت بالتحليل اللغوي والدلالي للنص القرآني.
وينتمي ابن عطية إلى المذهب الأشعري، وهو أحد المذاهب العقدية عند أهل السنة والجماعة، ويقوم على الجمع بين الأدلة النقلية والعقلية في فهم العقيدة الإسلامية.
وينسب هذا المذهب إلى أبي الحسن الأشعري (ت 324هـ)، الذي أسس منهجًا كلاميًا يهدف إلى الدفاع عن عقيدة أهل السنة في مواجهة الاتجاهات الكلامية المخالفة، مع توظيف العقل في خدمة النص لا في معارضته.
وقد تبنّى الأزهر الشريف عبر تاريخه الطويل المذهب الأشعري بوصفه الإطار العقدي المعتمد، مما جعله يمثل اتجاهًا علميًا وسطًا في الفكر الإسلامي، يجمع بين التمسك بالنصوص الشرعية والانفتاح المنضبط على أدوات النظر العقلي.
ومن أبرز أصول المذهب الأشعري: إثبات صفات الله تعالى كما وردت في الكتاب والسنة من غير تشبيه ولا تعطيل، وجعل العقل أداة لفهم النصوص لا حاكمًا عليها، مع توظيف علم الكلام في الرد على الشبهات العقدية وصيانة العقيدة من الانحراف.
وقد ظهر أثر هذا التوجه العقدي في تفسير ابن عطية «المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز» في تقدير المحذوف، ولا سيما في الآيات المتعلقة بصفات الله تعالى؛ إذ يعتمد في كثير من المواضع على تقدير مضاف محذوف أو توجيه دلالي يرفع ما قد يوهم التشبيه أو التجسيم، انسجامًا مع أصل التنزيه الذي يقوم عليه المذهب الأشعري.
ومن ذلك تفسيره لقوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾، حيث قدّر أن المراد: «أمر ربك» أو «بطش ربك» أو «حساب ربك»، أي بحذف مضاف، لأن الإتيان بمعناه الحسي لا يجوز في حق الله تعالى. ويستدل على ذلك بآيات أخرى جاء فيها التصريح بالمضاف، مثل قوله تعالى: ﴿أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾.
كما يتجلى هذا المنهج في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ إذ يفسر المعية هنا بمعنى النصرة والتأييد والحفظ، لا المعية المكانية، فيكون التقدير: نصري أو معونتي معكما، وفق ما يقتضيه السياق اللغوي والدلالة العقدية.
ويظهر من خلال ذلك أن ابن عطية يوظف تقدير المحذوف توظيفًا لغويًا دقيقًا يخدم المعنى العقدي، ويحقق مقصد التنزيه، بما ينسجم مع أصول المذهب الأشعري في فهم النصوص الشرعية، مع الحفاظ على دقة الدلالة القرآنية وبلاغتها.



