الانشغال بأرزاق الآخرين.. طريق لا ينتهي

نجلاء البنداري
نجلاء البنداري

بقلم: نجلاء البنداري
نحن نعيش في زمن أصبحت فيه تفاصيل حياة الآخرين متاحة للجميع على مدار الساعة عبر شاشات الهواتف الذكية، حيث ينشر الناس لقطات من نجاحاتهم وسفرياتهم ومقتنياتهم الجديدة، مما جعل الكثيرين يقعون في فخ المقارنة التلقائية.

ودون وعي يبدأ البعض بمقارنة كواليس حياتهم المليئة بالتعب والتحديات بالمشهد الختامي المبهج الذي يعرضه غيرهم على منصات التواصل الاجتماعي، وهذا التفاوت يخلق شعورًا زائفًا بالنقص ويدفع الإنسان للنظر إلى رزق غيره، متناسيًا أن ما يراه ليس إلا جزءًا صغيرًا جدًا من الحقيقة الكاملة.

اقرأ أيضا| ثقافة الاعتذار    

إن النظر لرزق الآخرين يعود في الأساس إلى فهم قاصر ومحدود لمفهوم الرزق نفسه، فالبعض يختزل الرزق في المال أو المظاهر المادية فقط، ويسقط من حساباته نِعَمًا أخرى لا تُقدّر بثمن، كالصحة النفسية والجسدية وراحة البال والقبول بين الناس والاستقرار الأسري. وعندما يركز المرء بصره على ما ينقصه وما يملكه غيره، يتولد لديه فراغ داخلي، وتتحول طاقته من التركيز على تطوير حياته وبناء نجاحه الخاص إلى مراقبة خطوات الآخرين، مما يعطله عن السعي ويجعله أسيرًا لدوامة لا تنتهي من عدم الرضا.

يتسبب هذا السلوك في أضرار نفسية بالغة على الشخص المراقِب قبل أي طرف آخر، فالنظر المستمر لما في أيدي الناس يسرق بهجة النعم الموجودة بالفعل في حياة الإنسان مهما كانت قيمتها، ويتحول الإعجاب التدريجي بحياة الآخرين إلى مشاعر غيرة وحسد قد تصل إلى تمني زوال النعمة عنهم. وهذا الوضع يملأ القلب بالغل، ويهدر طاقة الإنسان في مشاعر سلبية هادمة بدلًا من استغلال هذه الطاقة في العمل والإنتاج وتطوير الذات.

الحل يبدأ من استيعاب حقيقة أن الأرزاق موزعة بعدالة إلهية مطلقة ولكن بأشكال مختلفة، فكل إنسان لديه نصيبه الكامل من نعم الدنيا ومشاكلها على حد سواء، ولو اطّلعنا على هموم الآخرين ومشاكلهم التي يخفونها وراء الابتسامات لاختار كل إنسان رزقه الذي قسمه الله له. ولذلك فإن العلاج يكمن في تدريب النفس على الامتنان اليومي للنعم المتاحة، والابتعاد عن متابعة الأشخاص الذين يثيرون في أنفسنا مشاعر النقص، بالإضافة إلى تبني مبدأ المقارنة مع الذات فقط ومحاولة أن نكون أفضل مما كنا عليه بالأمس.

إن الكون يتسع لنجاح الجميع، ورزق غيرك لن ينقص من رزقك شيئًا، كما أن التمني الصادق بالخير للآخرين يفتح أبواب البركة في حياتك الشخصية. فالتفت إلى أرضك واسقها بجهدك وسعيك ورضاك، وسترى كيف ستزهر وتثمر بطريقتها الخاصة، بدلًا من إضاعة العمر في النظر إلى حدائق الآخرين.