بين مطرقة الواجب وسندان الطموح

وائل عثمان
وائل عثمان

بقلم: وائل عثمان
في كل صباح، تخوض ملايين النساء حول العالم معركة صامتة لا يراها أحد. تستيقظ قبل الجميع، تُعدّ الإفطار، وتُوصل الأطفال إلى مدارسهم، ثم تنطلق إلى عملها وهي تحمل في قلبها قائمة طويلة من المهام التي تنتظرها حين تعود. لا تشكو، لا تتوقف، لا تطلب تصفيقًا، فقط تمضي في يومها كأنها آلة لا تعرف التعب، بينما العالم من حولها يأخذ عطاءها أمرًا مفروغًا منه، ولا يتوقف لحظة ليسألها: كيف حالك؟

اقرأ أيضا| التنمر.. خطر يستدعي المواجهة
 

لم تعد المرأة اليوم تقف أمام خيار بسيط بين البيت والعمل. الضغوط الاقتصادية دفعت بالملايين منهن إلى سوق العمل ضرورةً لا رفاهية، في حين لم تتراجع التوقعات الاجتماعية التقليدية قيد أنملة. فالمجتمع يريدها موظفةً ناجحة، وأمًّا مثالية، وزوجةً حاضرة، وابنةً بارة، كل ذلك في آنٍ واحد، دون أن يسأل أحد: ومتى تستريح؟

هذا التناقض الحاد بين ما تُطالَب به المرأة وما يُتاح لها من وقت وطاقة هو جوهر الأزمة. الساعات لا تتمدد، والجسد له حدود، والروح تتعب. غير أن المرأة، في كثير من الأحيان، تحمل وحدها ثمن هذا التناقض، فتتنازل عن طموحها الوظيفي حفاظًا على استقرار أسرتها، أو تتجرع الذنب يوميًا لأنها لم تكن حاضرةً بما يكفي مع أطفالها. وفي الحالتين، هي الخاسرة.

ولا يقتصر الأمر على الضغط النفسي وحده. فالمرأة العاملة غالبًا ما تواجه ما يُعرف بـ«الوردية الثانية»، أي إنها بعد يوم عمل كامل خارج البيت تعود لتبدأ يوم عمل آخر داخله، من طهي وتنظيف ومتابعة دراسة ورعاية، بينما يرتاح شريك حياتها أو يُعفى ضمنيًا من هذه المهام بحكم العرف الاجتماعي السائد.

والمفارقة أن هذه المرأة نفسها، حين تتفوق في عملها وترتقي في مسيرتها المهنية، يُوجَّه إليها السؤال الجارح: «وأولادك من يربيهم؟». سؤال لا يُطرح على الرجل حين يحصل على ترقية أو يقضي ساعات طويلة خارج البيت. هذا الازدواج في المعايير يكشف أن القضية ليست قضية وقت وتنظيم فحسب، بل هي قضية عدالة اجتماعية في صميمها.

المخرج من هذه المعادلة الظالمة لن يأتي بالشكوى ولا بالصمت، بل بإعادة تعريف الأدوار داخل الأسرة أولًا. حين يتشارك الزوجان مسؤوليات البيت بوعي وعدالة، وحين تتبنى المؤسسات سياسات عمل مرنة تراعي واقع الأمهات، وحين يكفّ المجتمع عن محاكمة المرأة على خياراتها، عندها فقط يمكن للمرأة أن تعطي بلا أن تنكسر، وأن تحلم بلا أن تشعر بالذنب.

المرأة ليست مقصّرة حين تتعب، بل المقصّر هو نظام لا يزال يُحمّلها أكثر مما تحتمل، ثم يسألها لماذا لم تُنجز أكثر. إن أردنا مجتمعًا أكثر عدلًا، فلنبدأ بالاعتراف بأن ما تحمله المرأة يستحق التقدير والمشاركة، لا الصمت والتجاهل.