مدير أوقاف شبراخيت: الهجرة النبوية ليست ذكرى بل منهج حياة

جانب من اللقاء
جانب من اللقاء

مع إطلالة عام هجري جديد يوشك أن نستقبله، وتوديعنا لعام مضى، نقف إجلالاً أمام ذكرى الهجرة النبوية الشريفة؛ تلك الذكرى التي حبست أنفاس التاريخ وسجلت أروع ملاحم التضحية والفداء.
​ولكي نستلهم من هذه المناسبة العطرة آفاقاً للمستقبل، التقينا د. سامي خضر، مدير إدارة أوقاف شبراخيت بمحافظة البحيرة، ليحدثنا عن أبعاد هذه الرحلة المباركة وكيف يمكن للأمة الإسلامية في ظروفها الراهنة أن تحول دروس الهجرة إلى واقع معاش.
​* د. سامي نرحب بك. ونبدأ من عنوان بليغ طرحتموه كيف تحولت الهجرة النبوية من رحلة هروب من الأذى إلى خطة لاستشراف المستقبل؟
* مرحباً بكم، والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم. في الحقيقة، إن الناظر في الهجرة النبوية يدرك أن الله بعث محمداً صلى الله عليه وسلم هادياً ومبشراً ونذيراً، فجاء بدعوة ملأت القلوب نوراً وأشرقت العقول رشداً. ولما ضاقت مكة بالمسلمين بسبب ابتلاءات المشركين، لم تكن الهجرة عشوائية، بل كانت انتقالاً مدروساً لبناء أمة. واليوم، ونحن نودع عاماً ونستقبل آخر، فإننا لا نبكي على أطلال الماضي، بل نرسم آفاقاً للمستقبل؛ فالهجرة علمتنا كيف نخطط لغدٍ أفضل بالثقة والعمل.
أقرأ أيضا| أوقاف شبراخيت تستعرض الأحكام الفقهية لأثر الموت على الالتزامات غير المالية

* تحدثتم في أطروحاتكم عن "الأخذ بالأسباب" كدرس أول، كيف تجلى ذلك فقهياً وعملياً في رحلة الهجرة؟
* الأخذ بالأسباب عبادة، وقد تجلى بأبهى صوره في استبقاء علي بن أبي طالب رضي الله عنه للمبيت في فراش النبي، ومصاحبة الصدّيق أبي بكر في الرحلة.
أما من الناحية الفقهية، فهناك درس عظيم نحتاجه في عالمنا المعاصر، وهو جواز الاستعانة بالخبرات الكفؤة والمأمونة ولو لم تكن مسلمة ما دامت تحقق مصلحة للإسلام والمسلمين؛ إذ استعان النبي صلى الله عليه وسلم بـ "عبد الله بن أريقط" وكان كافراً لكنه كان خبيراً ماهراً بالطريق. هذا هو الفقه المرن الذي يبحث عن المصلحة والحكمة.
* القادة عند النصر والتمكين قد يصيبهم الزهو، كيف قدم لنا الرسول ﷺ نموذجاً مغايراً في التواضع؟
​* هذا هو التوازن الإنساني الفريد. فالرسول صلى الله عليه وسلم خرج من مكة مكرهاً ومطارداً فلم يذل ولم ينكسر، ولما عاد إليها فاتحاً منتصراً لم يطش زهواً ولم يتعاظم تيهاً؛ فعيشته يوم أُخرج كعيشته يوم دخلها فاتحاً. هذا الاعتدال في السراء والضراء هو ما نحتاجه اليوم لضبط بوصلة الأخلاق في مجتمعاتنا.
* في ظل الأزمات العالمية الحالية، يصاب الكثير من الشباب باليأس والتوجس من المستقبل. ما هي الرسالة التي توفرها الهجرة لهؤلاء؟
*  الهجرة تمنحنا طاقة يقين هائلة بأن المستقبل بيد الله وحده. الناظر إلى بدايات الهجرة قد يظن أن الدعوة انتهت ومصيرها الزوال، ولكن اليقين غيّر الموازين. وتجسد ذلك في الغار حينما قال الصدّيق: "لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا"، فجاء الرد النبوي الحاسم: «ما ظنك باثنين الله ثالثهما». هذا جواب يحمل في طياته أقصى درجات التوكل في أحلك المواقف، والابتلاء والصبر هما ضريبة الظفر والنصر.
* لفت انتباهنا تركيزكم على قيم "التصالح والتسامح" في بناء الدولة الجديدة، فكيف ذابت العصبيات بعد الهجرة؟
​* نعم، المجتمع لا يبنى بالأحقاد. الرسول صلى الله عليه وسلم تعرض في مكة لأصناف الأذى والسب والرمي بالحجارة، فكان يعفو ويصفح. ولما وصل المدينة، كان أول عمل قام بها هو بناء المسجد لتأصيل الاتصال بالله، وثاني عمل هو المؤاخاة لإذابة العصبيات والتحزبات والقبيلة؛ فالإسلام جاء ليصهر المجتمع في بوتقة واحدة مصداقاً لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ).
* للمرأة والشباب بصمة لا تخفى في عبقرية هذا الحدث، كيف تثمنون هذا الدور من خلال قراءتكم؟
​* الهجرة مشروع مجتمعي متكامل فقد برز فيه دور المرأة القيادي واللوجستي من خلال السيدة عائشة وأختها أسماء ذات النطاقين رضي الله عنهما. كما تجلى دور الشباب في فدائية علي بن أبي طالب حين عرّض نفسه للموت ونام في فراش النبي، ودور عبد الله بن أبي بكر الذي كان يمثل "العين الاستخباراتية" وينقل أخبار قريش بدقة. هذا يؤكد أن الحق لا ينتصر إلا بسواعد شبابه وعطاء نسائه.
* ختاماً.. كيف رسخت الهجرة النبوية و"وثيقة المدينة" مفهوم المواطنة الحديث وحب الوطن؟
​* هذا هو قلب الإعجاز في الهجرة؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم عندما التفت إلى مكة وقال: «ما أطيبك من بلد وأحبك إلي»، أكد لنا على قيمة الوطن وأن الانتماء إليه والعمل على استقراره عقيدة وقيمة إنسانية.
أما عندما وصل المدينة، فقد أقر "وثيقة المدينة" كأول دستور مدني يرسخ قيم: احترام الآخر، والتعايش السلمي، وإقرار العيش المشترك، والوفاء بالعهود والمواثيق بين مختلف الأطياف.
​ونحن من هذا المنطلق، نسأل الله عز وجل أن يوفقنا، وأن يديم علينا نعمه، وأن يحفظ مصرنا الغالية وأهلها من كل مكروه وسوء، فهو سبحانه نعم المولى ونعم النصير.

 

ترشيحاتنا