نؤسس لخطاب إعلامي «وسطي» يواجه التحديات المعاصرة
تطوير المناهج ضرورة.. واستقلال الكلية أعطانا مرونة أكبر
الإعلام الرقمي أصبح أحد أدوات حروب الجيل الخامس التي تخترق وتسعى إلى تدميرها من الداخل؛ إضافة إلى ما تشهده الساحة الإعلامية اليوم، تغيرات متسارعة فرضتها الثورة الرقمية وتقنيات الذكاء الاصطناعي، الأمر الذي جعل تطوير التعليم الإعلامي ضرورة حتمية لإعداد كوادر قادرة على مواكبة متطلبات العصر.
اقرأ أيضا| عميد إعلام الأزهر في دورة "أوسبو": الذكاء الاصطناعي أداة مساعدة ولا بديل عن الضمير البشري
وفي هذا الإطار، تواصل كلية الإعلام بنين بجامعة الأزهر أداء رسالتها في إعداد إعلاميين يجمعون بين الكفاءة المهنية والالتزام بالقيم الأخلاقية المستمدة من المنهج الأزهري الوسطي.
وفي حواره مع «اللواء الإسلامي»، يؤكد د. رضا عبد الواجد أمين، عميد إعلام الأزهر، أن خريجي إعلام الأزهر قادرون على التعامل بقوة مع أدوات الذكاء الاصطناعي، وأن لديهم الملكات الفردية والإمكانات العلمية والمصداقية العالية التي تضعهم في بؤرة العمل الإعلامي.. وإلى تفاصيل الحوار:
● ما دلالة تحويل قسم الإعلام إلى كلية مستقلة داخل جامعة الأزهر؟
● ● تحويل قسم الإعلام إلى كلية مستقلة داخل جامعة الأزهر يُعد خطوة مهمة وفارقة في مسار تطوير التعليم الإعلامي بجامعة الأزهر؛ أولى هذه الدلالات هي الاعتراف المتزايد بأهمية الإعلام كحقل معرفي مستقل، له أدواته ومنهجيته وتأثيره الواسع في تشكيل الوعي المجتمعي، كما يعكس هذا التحول إدراك جامعة الأزهر لحجم التحديات التي يفرضها العصر الرقمي، وما يستلزمه ذلك من إعداد كوادر إعلامية مؤهلة علميًّا ومهنيًّا، قادرة على التعامل مع قضايا العصر، وفي الوقت ذاته منضبطة بالقيم الأخلاقية والضوابط الشرعية التي تميز الخطاب الأزهري، ومن ناحية أخرى، فإن استقلال الكلية يتيح مرونة أكبر في تطوير البرامج الدراسية، واستحداث تخصصات حديثة مثل برنامج بكالوريوس الإعلام الرقمي، والإعلام باللغة الإنجليزية بما يتواكب مع التحولات العالمية في المجال الإعلامي؛ كذلك يعزز هذا القرار من القدرة البحثية للكلية، ويدعم إنتاج المعرفة في مجالات الإعلام المختلفة، بما يسهم في خدمة المجتمع، ونشر خطاب إعلامي رشيد يعبر عن وسطية الأزهر ويواجه التحديات الفكرية والإعلامية المعاصرة.
مسئولية أخلاقية
● ما الذي يميز كلية الإعلام بنين الأزهر عن غيرها من كليات الإعلام في مصر؟
● ● نمتلك مجموعة من الخصائص التي تمنحنا تميزًا واضحًا بين كليات الإعلام في مصر، في مقدمتها الجمع بين التأهيل الإعلامي المهني الرصين والتأصيل القيمي والأخلاقي المستمد من المنهج الأزهري الوسطي، وهو ما ينعكس في إعداد إعلامي يمتلك مهارات المهنة، وفي الوقت ذاته يتحلى بالمسئولية الأخلاقية والوعي المجتمعي.
.كما تتميز الكلية بتركيزها على بناء شخصية إعلامية متكاملة، لا تقتصر على الجانب المهاري فقط؛ بل تمتد لتشمل الوعي الثقافي والديني، والقدرة على التعامل مع القضايا الفكرية المعاصرة بحكمة واتزان، وهو أمر بالغ الأهمية في ظل التحديات التي تواجه الإعلام اليوم، خاصة على منصات التواصل الاجتماعي.
● كيف تواكب الكلية التطورات السريعة في مجال الإعلام الرقمي؟
● ● مواكبة التطورات المتسارعة في مجال الإعلام الرقمي أصبحت ضرورة وليست خيارًا، ونحن في كلية الإعلام بجامعة الأزهر نتعامل مع هذا التحدي من خلال رؤية متكاملة تجمع بين التحديث الأكاديمي والتطبيق العملي ، فنحرص على تطوير اللوائح والمقررات الدراسية بشكل دوري، بحيث تتضمن موضوعات حديثة مثل الإعلام الرقمي، وصحافة البيانات، وإنتاج المحتوى لمنصات التواصل الاجتماعي، فضلًا عن إدماج مفاهيم الذكاء الاصطناعي في العمل الإعلامي ، كما نهتم بالجانب التطبيقي، من خلال تدريب الطلاب داخل ستوديوهات مجهزة، وتعريفهم بأحدث أدوات الإنتاج والتحرير الرقمي، بما يضمن تخريج كوادر قادرة على المنافسة في سوق العمل الإعلامي المعاصر.
ومن جانب آخر، نعتمد على تنظيم ورش عمل ودورات تدريبية بالتعاون مع خبراء ومتخصصين في المجال، لربط الطلاب بالواقع المهني، واطلاعهم على أحدث الاتجاهات في صناعة الإعلام ، كذلك، نشجع الطلاب على الابتكار وإنتاج محتوى رقمي هادف، يعكس قيم المجتمع، ويواكب في الوقت ذاته متطلبات العصر، خاصة في ظل الانتشار الواسع لمنصات التواصل الاجتماعي وتأثيرها في تشكيل الرأي العام.
برامج حديثة
● هل هناك خطط لإدخال تخصصات جديدة أو برامج حديثة؟
● ● نعم، هناك بالفعل رؤية مستقبلية واضحة لدى الكلية للتوسع في استحداث تخصصات وبرامج حديثة تواكب التحولات المتسارعة في صناعة الإعلام ، نحن نعمل على تطوير هيكل البرامج الأكاديمية بما يتلاءم مع متطلبات سوق العمل، ويستجيب في الوقت ذاته للتطورات التكنولوجية المتلاحقة ، وقد بدأنا بالفعل في إطلاق برنامج بكالوريوس الإعلام الرقمي الذي يدرس فيه الطالب المقررات الحديثة مثل صحافة البيانات، والإعلام التفاعلي، إلى جانب برامج تُعنى بإنتاج المحتوى لمنصات التواصل الاجتماعي، وإدارة المنصات الرقمية، وهو ما أصبح يمثل أحد أهم مجالات العمل الإعلامي في العصر الحديث ، وكذلك بدأت الدراسة في برنامج الإعلام باللغة الإنجليزية ، وندرس في طرح برامج جديدة في المستقبل القريب بإذن الله لتتواكب مع احتياجات سوق العمل الإعلامي المتطور بشكل مطرد.
● كيف تحقق الكلية التوازن بين المهنية الإعلامية والهوية الأزهرية؟
● ● تحقيق التوازن بين المهنية الإعلامية والهوية الأزهرية يمثل أحد المرتكزات الأساسية التي تقوم عليها فلسفة العمل داخل الكلية ، فنحن لا نرى تعارضًا بين الاحتراف المهني والالتزام القيمي، بل نؤمن بأن الإعلام الحقيقي لا يكتمل إلا بهما معًا ، نعمل أولًا على ترسيخ القيم الأزهرية القائمة على الوسطية والاعتدال في وجدان الطلاب، من خلال المقررات الدراسية والأنشطة والفعاليات المختلفة، بحيث تصبح هذه القيم إطارًا حاكمًا للممارسة الإعلامية، لا قيدًا عليها ، فالطالب يتعلم كيف يكون مهنيًا في جمع المعلومات وتحليلها وعرضها، وفي الوقت ذاته يدرك مسئوليته الأخلاقية تجاه المجتمع ، كما نحرص على دمج البعد الأخلاقي في تدريس المهارات الإعلامية، فلا يتم تعليم فنون التحرير أو الإخراج أو الإنتاج بمعزل عن مناقشة الضوابط المهنية والأخلاقية، مثل المصداقية، واحترام الخصوصية، وعدم الإثارة غير المسئولة.
ومن ناحية أخرى، نشجع الطلاب على تقديم محتوى إعلامي يعبر عن قضايا المجتمع ويعالجها برؤية واعية ومتزنة، بعيدًا عن التطرف أو التحيز، وهو ما يعكس جوهر الرسالة الأزهرية في نشر الفكر الوسطي .
تشكيل الوعي
● ما الرسالة التي توجهها للشباب الطموح في مجال الإعلام ؟
● ● رسالتي إلى كل شاب يدرس الإعلام أن يدرك جيدًا أن هذه المهنة ليست مجرد وسيلة للشهرة أو الظهور، بل هي رسالة ومسئولية كبرى تتعلق بتشكيل وعي المجتمع وتوجيه الرأي العام ، فأنصحه أولًا بالاجتهاد في اكتساب المهارات المهنية الحقيقية، سواء في الكتابة الصحفية، أو الإعداد، أو التقديم، أو الإنتاج الرقمي، مع الحرص على متابعة كل ما هو جديد في هذا المجال سريع التطور ، فالإعلام اليوم لم يعد تقليديًا، بل أصبح قائمًا على التكنولوجيا والمعرفة المتجددة.
وفي الوقت نفسه، أؤكد على أهمية التمسك بالقيم الأخلاقية، لأن المصداقية هي رأس مال الإعلامي الحقيقي، وبدونها يفقد تأثيره وثقة الجمهور ، على الإعلامي أن يكون أمينًا في نقل الحقيقة، واعيًا بتأثير كلماته، ومدركًا لمسئوليته أمام الله والمجتمع.
كما أدعو الشباب إلى أن يكون لهم هدف ورسالة، وأن يسعوا لتقديم محتوى هادف يسهم في بناء الإنسان، ونشر الوعي، ومواجهة الشائعات والأفكار الهدامة، خاصة في ظل الفضاء الرقمي المفتوح.
● كيف تري مستقبل الإعلام في ظل الذكاء الاصطناعي؟
● ● إن الذكاء الاصطناعي يمثل نقطة تحول كبرى في تاريخ الإعلام، بل يمكن القول إنه يعيد تشكيل بنية العمل الإعلامي بالكامل، نحن أمام مرحلة جديدة تتسم بالسرعة الفائقة في إنتاج المحتوى، والقدرة على تحليل البيانات بشكل غير مسبوق، وهو ما يفتح آفاقًا واسعة لتطوير الأداء الإعلامي ، فالذكاء الاصطناعي يسهم اليوم في مجالات متعددة، مثل كتابة الأخبار، وتحليل اتجاهات الجمهور، وتخصيص المحتوى بما يتناسب مع اهتمامات المتلقين، فضلًا عن استخدامه في التحقق من الأخبار ومكافحة الشائعات. هذه كلها أدوات تعزز من كفاءة العمل الإعلامي إذا أُحسن توظيفها ، لكن في المقابل، هناك تحديات لا يمكن إغفالها، أبرزها قضية المصداقية، وانتشار المحتوى الزائف أو ما يُعرف بـ «التزييف العميق»، وهو ما يتطلب وعيًا مهنيًا وأخلاقيًا عاليًا من القائمين بالاتصال، وقدرة على التمييز بين الصحيح والمضلل، ومن هنا، أرى أن مستقبل الإعلام لن يكون قائمًا على استبدال الإنسان بالآلة، بل على التكامل بينهما وسيظل العنصر البشري هو الأساس، بما يمتلكه من وعي وقيم وقدرة على الفهم والتحليل، بينما يأتي الذكاء الاصطناعي كأداة داعمة تعزز من هذا الأداء.
● ما الكلمة التي توجهها لطلاب كلية الإعلام بنين بجامعة الأزهر؟
● ● أنتم تحملون رسالة عظيمة قبل أن تكونوا طلاب علم، فالإعلام ليس مجرد تخصص دراسي، بل أمانة ومسئولية أمام الله والوطن والمجتمع.
أوصيكم أولًا بالإخلاص في طلب العلم، والاجتهاد في اكتساب المهارات الإعلامية الحديثة، وعدم الاكتفاء بما يُقدم داخل قاعات الدراسة، بل احرصوا على التدريب المستمر، والاطلاع الواسع، ومتابعة التطورات المتسارعة في هذا المجال ، كما أدعوكم إلى التمسك بالقيم الأزهرية الأصيلة، التي تقوم على الوسطية والاعتدال، وأن تجعلوا من هذه القيم بوصلة توجه عملكم الإعلامي، خاصة في زمن كثرت فيه الشائعات، واختلطت فيه الحقائق بالآراء ، وكونوا على وعي بدوركم في بناء المجتمع، فأنتم صناع وعي، وكلمتكم قد تصلح أو تفسد، فاجعلوها دائمًا في خدمة الحقيقة، ونشر الوعي، والدفاع عن قضايا الوطن.



