د. مرتضى عبد الرحيم عضو مجمع الفقه الإسلامى بكندا: النحر في الشوارع مخالف للشرع

د. مرتضى عبدالرحيم متحدثاً لـ «اللواء الإسلامى»
د. مرتضى عبدالرحيم متحدثاً لـ «اللواء الإسلامى»

على المضحي أن يتأكد من خلوها من العيوب والخبث
يجب أن تكون من بهيمة الأنعام ولا تجزئ بنوع آخر

تُعد «الأضحية» مظهرًا جليًا من مظاهر الطاعة لله سبحانه، باعتبارها سنة نبوية مؤكدة فى حق المستطيع وواحدة من أعظم شعائر الاسلام التي تفيض بالرحمة، وتُحيي قيم التكافل الاجتماعي.

«اللواء الإسلامي» حاورت د. مرتضى عبد الرحيم محمد، رئيس قسم الفقه المقارن بكلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنات بسوهاج وعضو مجمع الفقه الإسلامى الدولي بكندا حول شروط الأضحية وسبب تشريعها وعلى من تجب وإلى مزيد من التفاصيل:

اقرأ أيضا| الأوقاف: ذبح وتوزيع مئات رؤوس الماشية بالمجان على مستحقيها بجميع المحافظات
 

• فى البداية حدثنا عن تعريف الأضحية؟

•• الأضحية هنا اسمٌ لما يُذكى من النَّعم تقربًا إلى الله تعالى فى أيام النحر، بشرائط مخصوصة. فالتذكية هي إزهاق روح الحيوان ليتوصل إلى حلِّ أكله، فتشمل الذبح والنحر والعقر أيضًا، كما لو شرد ثورٌ أو بعير فطُعن برمح أو نحوه، مع التسمية ونية الأضحية.

ومن النَّعم أن الأضحية تكون من الأنعام فقط، على الراجح من أقوال أهل العلم، والأنعام هي الإبل والبقر، وتشمل الجاموس، والغنم، وتشمل الماعز، وتأتي النعم فى أيام النحر، وهذا لبيان وقت الأضحية الشرعي تقربًا إلى الله تعالى، فلا يعد من الأضحية ما يُذكى لغير التقرب إلى الله تعالى، مثل ما يُذكى للبيع أو الأكل أو إكرام الضيف، وكذلك لا يُعد من الأضحية ما يُذكى تقربًا إلى الله تعالى فى غير أيام النحر، كالعقيقة.

مشروعية الأضحية
• ماذا عن حكم الأضحية؟

• • الأضحية مشروعة بكتاب الله عز وجل، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم القولية والفعلية، وانعقد الإجماع على ذلك. أما الكتاب الكريم، فقوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [سورة الكوثر: الآية 2]، قال قتادة وعطاء وعكرمة: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ﴾: صلاة العيد يوم النحر، ﴿وَانْحَرْ﴾: نُسُكك.

وأما السنة النبوية القولية، فقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن أول ما نبدأ به فى يومنا هذا أن نصلي، ثم نرجع فننحر، فمن فعله فقد أصاب سنتنا، ومن ذبح قبل، فإنما هو لحم قدمه لأهله، ليس من النسك فى شيء».

وأما السنة النبوية الفعلية، فقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يضحي، وكان يتولى ذبح أضحيته بنفسه صلى الله عليه وسلم، وروى البخاري بإسناده عن أنس رضي الله عنه، قال: «ضحى النبي صلى الله عليه وسلم بكبشين أملحين، فرأيته واضعًا قدمه على صفاحهما، يسمِّي ويكبر، فذبحهما بيده».

بهيمة الأنعام
• ما الشروط الشرعية الواجب توافرها فى الأضحية؟

•• لتكون الأضحية صحيحة ومقبولة شرعًا، يجب أن تتوفر فيها خمسة شروط أساسية اتفق عليها الفقهاء، وهي أن تكون من بهيمة الأنعام، حيث يقتصر الذبح على الإبل والبقر، ويشمل الجاموس، والضأن «الأغنام»، والماعز، فلا تجزئ الأضحية بأي نوع آخر من الحيوانات أو الطيور مهما غلا ثمنها.

ومن الشروط أيضًا بلوغ السن المعتبر شرعًا، فيجب أن تبلغ الماشية السن المحدد الذي تتوفر فيه الوفرة فى اللحم، فالإبل «الجمال» خمس سنوات كاملة والدخول فى السادسة، والبقر والجاموس سنتان كاملتان والدخول فى الثالثة، أما الضأن «الخراف» فستة أشهر كحد أدنى «الجذع»، بينما الماعز سنة كاملة والدخول فى الثانية «الثني».

أما الشرط الثالث، وهو السلامة من العيوب المانعة للإجزاء، فيجب أن تكون الأضحية سليمة وصحيحة البنية، وحدد النبي صلى الله عليه وسلم أربعة عيوب تمنع قبول الأضحية: العوراء البيِّن عورها، والمريضة البيِّن مرضها، والعرجاء التي لا تستطيع السير مع القطيع وعجزت عن مواكبته، والعجفاء، أي الهزيلة جدًا التي ذهب مخ عظامها من شدة الضعف.

ومن الشروط أيضًا أن يملكها المضحي بطريق مشروع، حيث يجب أن تكون الأضحية مملوكة للمضحي ملكًا تامًا، فلا تجزئ الأضحية المسروقة أو المغصوبة، أو المشتراة بمال حرام أو ربا.

كما يجب أن يكون الذبح فى الوقت المحدد شرعًا، بعد الفراغ من صلاة عيد الأضحى يوم 10 ذي الحجة، ونهاية الوقت غروب شمس آخر أيام التشريق الثلاثة، 13 ذي الحجة، بينما الذبح قبل الصلاة أو بعد انتهاء أيام التشريق يجعلها شاة لحم وليست أضحية.
جواز المشاركة

 هل يجوز الاشتراك فى الأضحية؟ وما الحالات التي يجوز فيها ذلك؟

•• الأضحية من الإبل والبقر يصح الاشتراك فيها سبعة أشخاص، ولو كانوا متفرقين فى المساكن، عند جمهور العلماء؛ لما رواه مسلم فى صحيحه عن جابر رضي الله عنه، قال: نحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة.

وأما الغنم، فلا يصح الاشتراك فيها؛ لأن الشاة تجزئ عن واحد فقط، ويستثنى من ذلك أضحية الرجل عن أهل بيته، فيشركهم فى الأجر معه؛ لما جاء عن عطاء بن يسار، قال: سألت أبا أيوب الأنصاري: كيف كانت الضحايا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: كان الرجل يضحي بالشاة عنه وعن أهل بيته.

• ما حكم الاستدانة من أجل شراء الأضحية؟

• • لا تجب الاستدانة من أجل شراء الأضحية؛ لأنها ليست واجبة على غير الغني باتفاق العلماء، لكن يُستحب أن يقترض إذا كان يرجو الوفاء، أي لمن لديه دخل مستقبلي مضمون «راتب شهري أو ثمن بضاعة منتظرة»، ولكنه يفتقر إلى السيولة النقدية وقت العيد.

أما إذا كان لا يرجو الوفاء، فالأولى له عدم الاقتراض؛ لأنه يشغل ذمته بهذا الدَّين فى شيء غير واجب عليه، ولا ينبغي إشغال الذمة بالديون لأجلها.

وشراء الأضحية بالتقسيط جائز، ولا حرج فيه، بشرط أن تكون الأقساط والآجال معلومة، وأن يثق المشتري فى قدرته على الوفاء بالأقساط.
ما الأخطاء الشائعة التي يقع فيها البعض عند شراء أو ذبح الأضاحي؟

هناك أخطاء عند شراء الأضحية، وأخطاء تقع عند الذبح، وأخطاء تقع بعد الذبح.

أولًا: أخطاء عند شراء الأضحية
 • تجاهل السن الشرعي: شراء حيوان لم يبلغ السن المعتبر شرعًا «6 أشهر للضأن، سنة للماعز، سنتان للبقر والجاموس». 

 • إهمال العيوب المانعة للأجزاء: شراء أضحية بها عرج بيِّن، أو عوراء، أو مريضة مرضًا ظاهرًا، أو هزيلة جدًا. 

 • الانخداع بكثافة الصوف: إغفال فحص جسد الخروف يدويًا، حيث يخفى الصوف الكثيف أحيانًا عيوبًا جسدية أو نحافة مفرطة. 

 • شراء الحيوان الكسول: إهمال علامات الصحة، مثل النشاط، ولمعان العينين، وخلو الأنف والفم من الإفرازات غير الطبيعية. 
أخطاء تقع عند الذبح

 • الذبح قبل صلاة العيد: بدء الذبح فجرًا أو قبل الفراغ من صلاة العيد، وهو ما يبطلها كأضحية ويجعلها مجرد شاة لحم. 

 • حدّ السكين أمام الحيوان: سنّ الشفرة بمرأى من الأضحية، أو ذبحها أمام أضحية أخرى، وهو ما يخالف آداب الرحمة والرفق بالحيوان فى الإسلام. 

 • استخدام آلات غير حادة: تعذيب الحيوان باستخدام سكين غير حاد، بدلًا من إراحة الذبيحة بقطع سريع. 

 • فصل الرأس مباشرة: قطع رأس الذبيحة فور ذبحها، أو كسر رقبتها قبل أن تسكن تمامًا وتخرج الروح، مما يمنع النزف الكامل ويفسد اللحم. 

 • تعريض الحيوان للإجهاد: ضرب الأضحية، أو جرها بعنف، أو ذبحها وهي متعبة من النقل، مما يقلل من جودة اللحوم ويجعلها جافة. 

أخطاء تقع بعد الذبح
 • أجرة الجزار من الأضحية: إعطاء الجزار الجلد، أو الرأس، أو جزءًا من اللحم كجزء من أجره، والواجب دفع أجرته نقدًا كاملة. 

 • بيع جلد الأضحية: قيام صاحب الأضحية ببيع الجلد أو أي جزء منها للمصانع، بينما يتوجب عليه التصدق به أو الانتفاع الشخصي به. 

 • تعبئة اللحوم وهي ساخنة: وضع اللحم فى أكياس وتجميده مباشرة فور الذبح دون تهويته «التشميع» لعدة ساعات، مما يسرع من فساده وتعفنه. 

 • غسل اللحم قبل التجميد: غسل اللحوم بالماء قبل وضعها فى الفريزر، مما يوفر رطوبة مثالية لنمو البكتيريا وتلف قوام اللحم. 
مخالفة جسيمة

• كيف ينظر الإسلام إلى مشاهد الذبح العشوائي فى الشوارع، وما تسببه من تلوث وإزعاج للمواطنين؟

•• ينظر الإسلام إلى ذبح الأضاحي فى الشوارع وترك مخلفاتها على أنه مخالفة جسيمة للشرع، وتصرف يتنافى مع أخلاق المسلم. فهذا الفعل يترتب عليه أذىً صريح، وتلوث بيئي، وتشويه للمظهر الحضاري.

وهذا الفعل يندرج تحت وعيد النبي صلى الله عليه وسلم: «اتقوا الملاعن الثلاثة: البراز فى الموارد، وقارعة الطريق، والظل».
ولقد جعل الإسلام إماطة الأذى عن الطريق من شعب الإيمان، بينما الذبح العشوائي يتعمد وضع الأذى فى طريق الناس ونشر الأمراض، فقاعدة «لا ضرر ولا ضرار» أساس فقهي يمنع المسلم من إلحاق الضرر بغيره، وانتشار الروائح الكريهة وتجمع الحشرات الناقلة للأوبئة يمثل ضررًا صحيًا وبيئيًا بالغًا للمواطنين.

كما أن سيلان دماء الأضاحي فى الطرقات العامة ينجس ثياب المارة وأبدانهم، مما يعطلهم عن أداء الصلوات، وهو ما يخالف مقاصد الطهارة فى الإسلام.

لذا، كان من الواجب شرعًا على المواطنين الالتزام بالذبح داخل المجازر الرسمية المعتمدة، ويُعد ذلك واجبًا شرعيًا.
طيب الأضحية
ما حكم الأضحية بالحيوانات التي تتغذى على القمامة أو بقايا الزبالة؟

الحيوان الذي يتغذى على النجاسات والقمامة يسمى فى الفقه «الجلالة»، وحكمه أنه لا تجوز الأضحية به إذا ظهر أثر النجاسة فى لحمه أو رائحته؛ لأن الشريعة اشترطت أن تكون الأضحية طيبة خالية من الخبث.

كما ورد فى حديث ابن عمر رضي الله عنهما: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل الجلالة وألبانها»، والنهي يدل على أن فيها تغيرًا فى اللحم أو الريح، فتكون معيبة.

ومن شروط الأضحية السلامة من العيوب، والرائحة الكريهة والنتن من العيوب المنفرة، والجلالة تصبح صالحة للأضحية إذا حُبست وعُلِّفت علفًا طاهرًا حتى يزول أثر النجاسة، وهذا يسمى «الاستبراء».

ودار الإفتاء المصرية حذرت من أن من يضحي وهو يعلم أن البهيمة تأكل من القمامة فلا أضحية له، ومن ضحى بها دون علم فلا إثم عليه، والوزر على البائع.

فالخلاصة هنا: لا تشترِ أضحية تأكل القمامة ويظهر عليها أثر ذلك، وإن اشتريتها فاحبسها وأطعمها علفًا طاهرًا حتى تطيب، فإذا طابت جازت الأضحية بها، والأفضل دائمًا اختيار الأسلم والأطيب تقربًا لله، لقوله تعالى: ﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾. 

 

ترشيحاتنا