فى أروقة الدراسة العتيقة، وبين جنبات قاعات العلم التي احتضنت على مدار أكثر من ألف عام طلابًا من مختلف الأجناس والأعراق واللغات، تتجدد قصة الأزهر الشريف كل يوم مع آلاف الطلاب الوافدين الذين يتركون أوطانهم ويقطعون آلاف الكيلومترات بحثًا عن العلم الشرعي الرصين والفكر الوسطي المعتدل، فالأزهر لم يكن يومًا مجرد مؤسسة تعليمية تمنح الشهادات، بل ظل عبر تاريخه الطويل منارة علمية عالمية ومركزًا لنشر قيم الاعتدال والتسامح والتعايش بين البشر.
ويأتي إلى مصر سنويًا آلاف الطلاب من مختلف دول العالم الإسلامي وغير الإسلامي، حاملين آمال أسرهم ومجتمعاتهم فى تلقي العلم الصحيح، والعودة إلى أوطانهم وهم أكثر قدرة على فهم الدين وتبليغه بصورة تعكس جوهر الإسلام الحقيقي القائم على الرحمة والعدل والوسطية.
فى التحقيق التالي، يروي عدد من الطلاب الوافدين، والمقيمين بجمعية سفراء الهداية، تجاربهم داخل الأزهر، وكيف أسهمت سنوات الدراسة فى تشكيل شخصياتهم الفكرية والعلمية، ليواجهوا الأفكار المتشددة وينشروا ثقافة الحوار والسلام فى مجتمعاتهم.
من نيجيريا، جاء الطالب عبد الرحمن محمد قبل خمس سنوات إلى القاهرة بعدما سمع كثيرًا عن مكانة الأزهر العلمية في بلاده. ويقول إن حلم الدراسة بالأزهر يراود آلاف الشباب المسلمين في إفريقيا، لأنهم يرون فيه المرجعية العلمية الأهم التي تجمع بين أصالة التراث الإسلامي والانفتاح على قضايا العصر. ويضيف: «عندما وصلت إلى مصر كنت أظن أن الدراسة ستقتصر على العلوم الشرعية فقط، لكنني اكتشفت أن الأزهر يقدم مشروعًا متكاملًا لبناء الإنسان، تعلمنا الفقه والتفسير والحديث والعقيدة، لكننا تعلمنا أيضًا احترام الاختلاف وقبول التنوع والقدرة على الحوار».
اقرأ أيضا|الأزهر للوافدين: أنتم سفراء العلم والإصلاح
ويؤكد أن أكثر ما أثر فيه هو طريقة تناول القضايا الخلافية، حيث يحرص الأساتذة على عرض الآراء المختلفة وأدلتها دون تعصب لرأي واحد، وهو ما يعزز لدى الطالب القدرة على التفكير والنقاش العلمي.
ويتابع: «في بعض البيئات تنتشر النظرة الأحادية للأمور، لكن الأزهر علمنا أن الاختلاف سنة من سنن الحياة، وأن العلماء اختلفوا عبر التاريخ دون أن يتحول اختلافهم إلى صراع أو خصومة».
رفض الغلو
أما أحمد فوزي، الطالب الإندونيسي بكلية الشريعة والقانون، فيرى أن الوسطية التي يتحدث عنها الأزهر ليست مجرد شعار نظري، وإنما منهج عملي ينعكس على المناهج الدراسية والحياة اليومية داخل المؤسسة.
ويقول: «في كل مادة ندرسها نجد تأكيدًا على التوازن والاعتدال، نتعلم أن الإسلام يرفض الغلو كما يرفض التفريط، وأن الإنسان مطالب بأن يكون متوازنًا في فكره وسلوكه وعلاقاته».
ويضيف أن بلاده تضم مئات الملايين من المسلمين، الأمر الذي يجعل الحاجة كبيرة إلى علماء يمتلكون فهمًا صحيحًا للنصوص الشرعية وقادرين على التعامل مع المتغيرات الحديثة.
ويشير إلى أن العديد من خريجي الأزهر في إندونيسيا يتولون مواقع قيادية في المؤسسات الدينية والتعليمية، ويسهمون في ترسيخ قيم التعايش والاستقرار المجتمعي.
عائشة عثمان: تجربة ثرية علمتني احترام ثقافة الآخرين
وتتحدث عائشة عثمان، من كينيا، عن جانب آخر من تجربة الدراسة بالأزهر، والذي يتمثل في الاحتكاك بثقافات متعددة من مختلف أنحاء العالم، قائلة: «في الفصل الدراسي الواحد قد تجد زملاء من عشر دول مختلفة، لكل منهم ثقافته ولغته وعاداته، هذا التنوع يجعل الطالب أكثر انفتاحًا على العالم وأكثر قدرة على فهم الآخرين».

وتؤكد أن الأزهر خلق بيئة إنسانية متميزة يتعلم فيها الطلاب عمليًا معنى الأخوة الإنسانية والتعاون والتعايش، مبينة أن الحوار اليومي بين الطلاب من خلفيات متنوعة ساعدها على التخلص من كثير من الصور النمطية المسبقة، وجعلها أكثر قدرة على التواصل مع الآخرين واحترام اختلافاتهم.
مراد إبراهيم: الأزهر منحنا أدوات لفهم النصوص بطريقة صحيحة
من جانبه، يؤكد مراد إبراهيم، من كينيا، أن مواجهة التطرف في السنوات الأخيرة أصبحت من أهم القضايا التي تشغل المجتمعات حول العالم، مبينًا أن بعض المجتمعات تعاني من انتشار أفكار متشددة تستغل جهل الشباب بالدين وتقدم لهم تفسيرات مغلوطة للنصوص الشرعية.
ويضيف: «الأزهر منحنا أدوات علمية لفهم النصوص بطريقة صحيحة، تعلمنا قواعد الاستدلال وأصول الفقه ومقاصد الشريعة، وهي علوم تساعد على كشف الأخطاء التي تقع فيها الجماعات المتطرفة»، مؤكدًا أن مواجهة التطرف لا تتم بالشعارات أو المواجهات الأمنية فقط، بل تحتاج إلى بناء وعي ديني صحيح يحصن الشباب من الوقوع في براثن الأفكار المنحرفة، مؤكدًا أن ما يميز المنهج الأزهري هو اعتماده على الإقناع والحوار والعلم، بعيدًا عن لغة التكفير والإقصاء.
اقرأ أيضا|إنطلاق فعاليات برنامج "الصدى الأزهري"...لنشر الوسطية وتأهيل الوافدين
ويؤكد عبد الكريم إسماعيل، من تشاد، أن العلاقة بين الأستاذ والطالب داخل الأزهر لا تقتصر على شرح المقررات الدراسية، بل تمتد إلى التوجيه الفكري والتربوي، لافتًا إلى أن كثيرًا من الأساتذة يحرصون على مناقشة الطلاب في القضايا المعاصرة والإجابة عن تساؤلاتهم الفكرية والدينية، وهو ما يساعد على تكوين شخصية علمية متوازنة. ويؤكد أن العلماء يركزون دائمًا على إبراز مقاصد الإسلام في تحقيق الرحمة والعدل وحفظ كرامة الإنسان.
محمد عليتش: مناهج الأزهر عالجت تحديات المسلمين في الغرب
ويرى محمد عليتش، من البوسنة والهرسك، أن أهمية الأزهر تتضاعف بالنسبة للمسلمين الذين يعيشون كأقليات في بعض الدول الأوروبية، مؤكدًا مدى احتياجهم إلى خطاب ديني يوازن بين الحفاظ على الهوية الإسلامية والاندماج الإيجابي في المجتمع، وهذا ما يحرص عليه الأزهر، مضيفًا أن المناهج الأزهرية تقدم فهمًا واقعيًا للحياة المعاصرة، وتساعد الطالب على التعامل مع التحديات الفكرية والثقافية التي تواجه المسلمين في المجتمعات الغربية.
ويؤكد أن خريجي الأزهر يسهمون في تصحيح كثير من الصور المغلوطة عن الإسلام من خلال نشاطهم الدعوي والثقافي.
محمد سليمان: تعلمت الانضباط وتحمل المسئولية والاعتماد على النفس
أما الطالب محمد سليمان من تنزانيا فيقول إن الدراسة في الأزهر علمته الانضباط وتحمل المسؤولية والاعتماد على النفس، فرغم أن الحياة بعيدًا عن الأسرة والوطن تجربة صعبة في البداية، لكنها تصنع شخصية قوية وقادرة على مواجهة التحديات.
ويؤكد أن الأنشطة الثقافية والعلمية التي تنظمها المؤسسات الأزهرية تسهم في توسيع مدارك الطلاب وإعدادهم للقيام بأدوار قيادية في مجتمعاتهم.
تأثير كبير
ويقول الطالب يوسف عبد الله من مالي: «عندما نعود إلى بلادنا لا نحمل شهادات فقط، بل نحمل رسالة، الناس تنتظر منا أن ننقل ما تعلمناه من قيم الوسطية والتسامح»، مؤكدًا أن رسالتهم الحقيقية تبدأ بعد العودة إلى أوطانهم، حيث يتحولون إلى سفراء للفكر الأزهري المعتدل.
ويشدد على أن المجتمعات الإفريقية تحتاج إلى خطاب ديني يعزز الوحدة الوطنية ويواجه النزاعات والتطرف، وهو ما يسعى خريجو الأزهر إلى تحقيقه. ويشير إلى أنه على مدار العقود الماضية، تخرج في الأزهر آلاف العلماء والدعاة والقادة الذين كان لهم تأثير كبير في مجتمعاتهم، من خلال حضور آلاف الطلاب من مختلف دول العالم للتعليم بالأزهر، ومنحهم دافعًا إضافيًا للاجتهاد والتميز، منوهًا إلى أن آسيا وإفريقيا وأوروبا والأمريكتين يوجد بهما علماء وقادة ومفكرون تخرجوا في الأزهر وأسهموا في نشر قيم الاعتدال والحوار والتعايش، ويؤكد أن هذه النماذج من الطلاب الوافدين تمثل دليلًا عمليًا على نجاح الرسالة العالمية للأزهر.
ويؤكد أنه على الرغم من مرور أكثر من ألف عام على تأسيسه، ما زال الأزهر قادرًا على مواكبة المتغيرات الفكرية والثقافية التي يشهدها العالم، مشيرًا إلى أن المؤسسة الأزهرية تحرص على تطوير مناهجها وبرامجها التعليمية بما يواكب احتياجات العصر، مع الحفاظ على أصالتها العلمية وتراثها العريق. ويضيف أن هذا التوازن بين الأصالة والتجديد يمثل أحد أسرار استمرار مكانة الأزهر وتأثيره العالمي.
رسالة تتجدد
ويؤكد محمد روشن ضمير، من الهند، أن تجربة الطلاب الوافدين في الأزهر تبدو أكثر من مجرد رحلة تعليمية عابرة، إنها تجربة إنسانية وفكرية متكاملة تسهم في صناعة أجيال من العلماء والدعاة والمفكرين القادرين على حمل رسالة الإسلام السمحة إلى العالم، مؤكدًا أنه من خلال هؤلاء الوافدين تمتد رسالة الأزهر إلى عشرات الدول ومئات المجتمعات، لتؤكد أن الاعتدال ليس خيارًا مرحليًا، بل ضرورة حضارية وإنسانية، وأن العلم الصحيح يبقى السلاح الأقوى في مواجهة الجهل والتطرف.
ويضيف أن الأزهر الشريف يواصل أداء رسالته التاريخية، رغم التحديات الفكرية المتزايدة ومحاولات تشويه الإسلام، مستندًا إلى إرث علمي عريق ورؤية وسطية متوازنة، ومراهنًا على طلابه الوافدين الذين يعودون إلى أوطانهم سفراء للسلام والتسامح والحوار، وحملةً لمشاعل النور والمعرفة في مختلف أنحاء العالم.
ويتابع: هكذا يظل الأزهر، في نظر طلابه الوافدين، ليس مجرد جامعة أو مؤسسة تعليمية، بل بيتًا للعلم ومنارة للوسطية وجسرًا للتواصل بين الشعوب والثقافات، ومصنعًا حقيقيًا لصناعة العقول المستنيرة التي تؤمن بأن الإسلام دين بناء ورحمة وتعايش، وأن مستقبل الأمة لا يصنعه إلا العلم والفكر المعتدل والانفتاح على الآخر.




