أكثر من 4 آلاف مشاجرة سنويًا في مصر

التعصب الكروي- يرفضه المجتمع ويحرمه الشرع

صورة توضيحية
صورة توضيحية

عادة ما يلجأ الفرد لمشاهدة الألعاب الرياضية للمتعة والتفريج عن النفس، خاصة «كرة القدم» التي يشجعها جمهور عريض منذ زمن بعيد، ولكن في الفترة الأخيرة أصبحت المتعة ليست في المشاهدة والحماس مع المباراة، وإنما تجاوز الأمر حد التشجيع السلمي وتحول إلى تعصب كل فرد لفريقه، وهذا أدى إلى كثرة المشاجرات التي في كثير من الأحيان تتحول إلى عنف جسدي وإحداث عاهات، وربما تصل إلى القتل.

أحدث الإحصائيات التي صدرت من «مرصد العنف الرياضي» تشير إلى أن مصر تشهد سنويًا أكثر من 4 آلاف مشاجرة مسجلة بسبب التعصب الكروي، 70% منها تبدأ على «جروب واتساب» أو «بوست فيسبوك»، هذا المسجل فقط، ولا نستبعد أن هناك أضعاف هذا الرقم لم يُسجل.

في هذا التحقيق، نفتح ملف «التعصب الكروي»، الذي أصبح وباءً صامتًا يقضي على العلاقات بين الأصدقاء، ويُفكك الأسر المترابطة، ويتسبب في سقوط الضحايا في الشوارع.

تقول د. علياء حبيب، أستاذ علم الاجتماع ببنات عين شمس، إن التعصب الرياضي ظاهرة اجتماعية مركبة لها أسبابها، ومن أهمها الولاء المفرط غير العقلاني لجماعة «نادٍ رياضي»، ويكون مصحوبًا بكره شديد وتحقير للجماعة المنافسة، قد يصل لدرجة استباحة العنف الرمزي أو الجسدي ضدها، مؤكدة أن هذا التعصب يعكس خللًا في البنية الاجتماعية، حيث يتجاوز كونه مجرد تشجيع عاطفي، بل يتحول إلى انتماء أعمى يُلغي العقل، وتُفرغ فيه الجماهير إحباطاتها اليومية، مما يهدد بدوره منظومة القيم والتماسك داخل المجتمع.

وتشرح د. علياء تلك الظاهرة بأنها ارتباط الفرد المتعصب بفريق يمنحه شعورًا بالانتماء، حيث يعوض المتعصب النقص في إنجازاته الشخصية بـ«الانتصار» الوهمي لفريقه، فيتماهى معه لدرجة اعتبار أي خسارة إهانة شخصية له، مشيرة إلى أنه من المفروض أن تكون الرياضة في كثير من الأحيان متنفسًا آمنًا لتفريغ الضغوط الاقتصادية والاجتماعية أو الإخفاقات اليومية، مما يدفع الأفراد نحو العنف اللفظي والمادي، ولا ننسى وسائل الإعلام الرياضي التي تلعب دورًا سلبيًا في تأجيج الصراع وخلق حالة من الاستقطاب.

اقرأ أيضا| منتخب مدارس التربية الخاصة بقنا تحصل على المركز الثانى على مستوى الجمهورية

وتوضح د. علياء أنه طبقًا لآخر إحصائية من مرصد العنف الرياضي، فإن مصر تشهد سنويًا أكثر من 4 آلاف مشاجرة مسجلة بسبب التعصب الكروي، 70% منها تبدأ على «جروب واتساب» أو «بوست فيسبوك»، فهذه الأرقام تقول إننا أمام ظاهرة لم تعد «شغب ملاعب»، بل «مرضًا مجتمعيًا» تتجاوز خسائره الجانب الرياضي لتصل إلى الأمن القومي والاقتصاد والتماسك الأسري، مؤكدة أن الأسرة عليها مسؤولية كبيرة كي نقضي على هذه الظاهرة المقيتة، حيث يجب عليها غرس ثقافة تقبل الآخر واحترام رأيه وعدم إقصائه، مما يعزز روح التعاون والإخاء بين الجماهير، فالمجتمع لا ينهار عندما يخسر فريق ما، بل ينهار عندما تصبح خسارة الفريق مبررًا لخسارة إنسانيتنا.

انفعالات مكبوتة

ويرى د. أحمد فخري، أستاذ علم النفس الإكلينيكي ورئيس قسم العلوم الإنسانية بجامعة عين شمس، أن التعصب الرياضي ظاهرة نفسية وسلوكية معقدة تتجاوز حدود التشجيع الإيجابي إلى التمسك المفرط بفريق أو لاعب، وتعتبر انعكاسًا لدوافع لا شعورية وحاجة الفرد لتفريغ طاقات وانفعالات مكبوتة، أو للتعويض عن صراعات داخلية وإثبات الذات من خلال انتماء لنادٍ من الأندية أو فريق رياضي، والذي يبدأ منذ الطفولة، وخاصة عندما ينشأ الطفل في بيئة متشددة، متصلبة الرأي، متعصبة في الانتماء بشكل كبير لنادٍ بحد ذاته.

والانتماء في حد ذاته شيء إيجابي، أي أن يكون لدى الشخص انتماء لشيء ما، أو كيان يحبه ويدافع عنه ويحافظ عليه وعلى سمعته ويشجع من ينتمي إليه، ولكن الأمر الخطير هو غرس روح التعصب لدى النشء، بحيث يتحول الانتماء المحمود إلى تعصب شديد ومعاداة للطرف الآخر، مما يغذي روح العدائية والكراهية لكل ما هو مخالف.

ويضيف د. فخري: هنا يصبح الأمر خارجًا عن مفهوم الروح الرياضية أو فكرة التشجيع للمتعة والرغبة في الفوز كحق مشروع، وينقلب الأمر إلى التعصب ورفض الآخر وأخذ الحدث أو الموقف بتفسير شخصي عدائي، ويصل الأمر إلى حد العدوى الجماعية التي تعمل على تأجيج هذا الشعور من خلال الحماس والهتافات غير المشروعة لتشجيع الفريق الذي أنتمي إليه، مما يدفع البعض للانجراف إلى تلك المشاعر والسلوكيات المتعصبة ضد الفريق الآخر، وتكون النتيجة هي عدم السيطرة على انفعالاته، وبالتالي تترجم أحيانًا إلى سلوكيات سلبية، وهي ما يطلق عليها شغب وعدم الالتزام بالقوانين.

ومن النتائج السلبية أيضًا أن هذا السلوك العدواني يصبح سمة أساسية في تعامل الشخص المتعصب مع الآخر الذي يختلف معه في الرأي، مما يتسبب في وقوع أضرار جسيمة عليه، مثل ارتفاع ضغط الدم والتسبب في أزمات قلبية وبعض الضغوط النفسية والشعور بالقلق الحاد والاكتئاب، لتفسير الحدث على أنه هزيمة شخصية لهم. وهؤلاء دائمًا في حاجة إلى توجيه بعض الإرشادات النفسية.

ويؤكد د. فخري أن الرياضة نتحمس لها من أجل الاستمتاع والمتابعة الحماسية البعيدة كل البعد عن العدائية، لأن الواقع يشير إلى أن المباراة يحكمها ظروف وتدريبات وعوامل كثيرة متداخلة، وعلينا أن نستفيد من الأخطاء لعدم تكرارها لاحقًا، وهذا ما نتبعه في حياتنا من خلال الخبرات والتجارب.

كما أنه يجب التركيز على نقطة هامة جدًا، وهي أن المباراة والحكم فيها يكونان بشكل مباشر أمام أعين الجمهور، فكلما كان التشجيع للفريق الذي أنتمي إليه بشكل إيجابي، وصل هذا إلى الفريق وإلى ما يسعى إليه، وكلما كان التشجيع مبنيًا على التعصب والشغب انعكس هذا على روح الفريق وشعوره بالقلق والتوتر.

الجاهلية الأولى

ويوضح الشيخ فودة السيد فودة، إمام مسجد «الإمام الشافعي» سابقاً أن المشهد الذي نراه اليوم في منصات التواصل الاجتماعي من تبادل للشتائم، وسخرية لا ترحم بمجرد خسارة فريق، ونشر للشائعات لإشعال الفتن بين الجماهير، ليس مجرد «مزاح كروي» كما يظن البعض، ولكنه الوجه العصري لـ«الجاهلية الأولى» التي حذر منها النبي صلى الله عليه وسلم تحذيرًا شديدًا حين قال: «ليس منا من دعا إلى عصبية».

والإسلام في جوهره دين واقعي، لم يأتِ ليحرم على الناس بهجة الانتصار أو متعة التنافس الشريف؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم سابق السيدة عائشة رضي الله عنها، والصحابة كانوا يتصارعون ويتسابقون بالخيل والسهام، وكلها أمور مباحة تروح عن النفس وتجدد النشاط، لكن الأزمة الحقيقية تبدأ عندما يتحول هذا «التشجيع العفوي» إلى «عصبية عمياء» تُلغي العقل وتطمس الأخلاق وتنشر الكراهية.

ويشير الشيخ فودة إلى أن الإسلام لا يمنع الإنسان من تشجيع فريقه المفضل أو الفرح بفوزه، فذلك من الأمور المباحة، بشرط أن يظل في إطار الأدب والاحترام وقبول نتائج المنافسة بروح رياضية، أما السخرية من المنافسين أو الاعتداء اللفظي أو الجسدي بسبب المباريات، فكل ذلك يتنافى مع تعاليم الدين وأخلاق المسلم.


 

 

ترشيحاتنا