ديننا الإسلامى الحنيف يحرص دائما على أن يعلمنا كيفية معاملة الآخرين، ذلك لأن سلامة أي مجتمع تتوقف علي المعاملة الحسنة التى تسود بين أفراده، وللأسف في زماننا الحالى ضاعت الأخلاق والقيم الإسلامية، وسط كل الفوضى والانحلال الذي نعيش فيه، أصبحنا نعانى من فقدان المعاملة الحسنة والسلوكيات الطيبة التى علمها لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ترى من يحترم الكبير ويوقر الصغير، انتشر السب والقذف والتنمر.
في التحقيق التالى نلقى الضوء على أخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم التى هى أخلاق القرآن، والتى يجب أن تكون أخلاقنا جميعا اقتداء به صلى الله عليه وسلم حتى يسود المجتمع المحبة والمودة والأمن والأمان
د. بديعة الطملاوي: الأخلاق المرأة الحقيقية للمسلم
فى البداية تقول د. بديعة أحمد الطملاوي أستاذ الفقه المقارن، والعميد الأسبق لكلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنات بالإسكندرية جامعة الأزهر: حين يذكر الإسلام، يتبادر إلى الذهن غالبًا العباداتُ من صلاةٍ وصيامٍ وزكاةٍ وحجٍّ، وغيرها، إلا أن جوهر هذا الدين العظيم أعمقُ من ذلك بكثير، إذ يقوم على بناء الإنسان أخلاقيًّا وسلوكيًّا، بحيث تنعكس قيمُه في تعاملاته اليومية مع النفس والآخرين.
فالأخلاق قهى المقياسٌ الحقيقيٌّ لصدق الإيمان وعمقه، وهى المرآة الحقيقية للدين، والله تعالى جعل الأخلاق أساس الرسالة، فقال جل شأنه: «وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ» وقال سبحانه: «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ»، وقد جاءت السنة النبوية بتطبيقاتٍ عملية تؤكد أن معيار السلوك والمعاملات معيارٌ حقيقيٌّ لصدق الإيمان، قال صلى الله عليه وسلم: «والمؤمنُ من أمِنه الناسُ على دمائهم وأموالهم، والمجاهدُ من جاهد نفسَه في طاعة الله، والمهاجرُ من هجر الخطايا والذنوب»
بناء الأخلاق
وتضيف د. بديعة: العدل هو إعطاءُ كلِّ ذي حقٍّ حقَّه، والإحسانُ هو الارتقاء فوق ذلك بالتسامح والعطاء، وقد أكد النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى فقال: «إنما بُعثتُ لأتمم مكارم الأخلاق» وهذا دليل على أن جوهر رسالة الإسلام هو بناء الأخلاق، وقال أيضا: «أثقلُ شيءٍ في ميزان العبد يوم القيامة حسنُ الخلق»، وربط النبي صلى الله عليه وسلم بين الإيمان والسلوك اليومي، فقال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت»، وقال: «أكملُ المؤمنين إيمانًا أحسنُهم خلقًا» ومن صور السلوكيات التي أكد عليها الإسلام، الصدق، والأمانة، والرحمة، فإذا سادت القيم الأخلاقية تحقق الأمن والاستقرار، وانتشرت الرحمة بين الناس.
اقرأ أيضا| خطورة الجماعات الإسلامية.. نظرة بين الدين والتدين والواقع
وترى د. بديعة أنه يجب التنبيه على أنه إذا كانت الشريعة قد أباحت كل معاملة تقوم على الحق والعدل والصدق، وتحقق مصالح الناس في حدود ما أحل الله تعالى، فإنها في الوقت ذاته حرَّمت كل معاملة يخالطها الظلم أو الغش أو الربا أو غير ذلك من الوسائل، فمثلًا حرَّمت الشريعة الاحتكار، وهو شراء الشيء وحبسه ليقلَّ بين الناس فيزيد سعره عن حد الاعتدال، وقد جاء في الحديث: «من احتكر طعامًا أربعين ليلة فقد برئ من الله وبرئ الله منه».
كما حرَّمت الشريعة الغرر، وهي المعاملة التي يشوبها الخداع والجهالة، وحرَّمت الغش والحلف الكاذب من أجل ترويج السلع، وحرَّمت التطفيف في الكيل والميزان، وحرَّمت النجش، وهو أن يزيد الشخص في ثمن السلعة لا ليشتريها، وإنما ليخدع غيره، مشيرة إلى أن الدين ليس فقط ما نؤديه في المساجد، بل ما نعيشه في تعاملاتنا مع الناس. وإذا صلحت المعاملات، صلح المجتمع، وظهر جمال الإسلام في أبهى صورة.

د. غانم السعيد: يجب أن تنعكس القيم الإسلامية علي سلوكياتنا
ويقول د. غانم السعيد العميد السابق لكليتى الإعلام واللغة العربية جامعة الأزهر: من المقولات التي تشيع على الألسنة «الدين المعاملة» وهي إن كانت لم تثبت لفظا بأنها حديث نبوي، إلا أنها صحيحة المعنى، فكثير من الذين يحرصون على تأدية شعائر الإسلام وفرائضه في أوقاتها، ويتشددون على أنفسهم في الالتزام بالإسلام الشكلي من إطلاق اللحى، وتقصير الثياب، واصطحاب السواك.
وغير ذلك، لو نظرنا إلى سلوكياتهم وجدنا تناقضا كبيرا بين الشكل والسلوك، ومن أمثلة ذلك التناقض أن تجد المسلم يسمع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وإماطة الأذى عن الطريق صدقة» ثم تجده عند خروجه من بيته لصلاة الفجر يحمل كيس القمامة في يده ليلقيه على قارعة الطريق.
وقد شدد الله القول على أمثال هؤلاء الذين تخالف أقوالهم أفعالهم، فقال: «كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون» وفي توجيه رسول الله صلى الله عليه وسلم لولي المرأة عند اختياره لزوجها ألا يكون معياره الدين فقط فقال صلى الله عليه وسلم: «إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه» فالمسلم الحق السوي النفس المستقيم العقيدة هو الذي يتوافق قوله مع فعله، ودينه مع خلقه، وما أحوجنا في هذه الأيام العصيبة التي يمر بها الوطن إلى أن تنعكس قيم الإسلام وأخلاقيته التي طُلبنا بالالتزم بها مع سلوكنا وتصرفاتنا

د. نجوي شتا: المعاملة الطيبة من حسن اكتمال الإيمان
وتوضح د. نجوى عبد المحسن شتا، أستاذ الفقه والوكيل الأسبق لكلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنات جامعة الأزهر بالإسكندرية أن الله أنعم على البشرية جمعاء بإرسال الرسل لهداية الناس وإخراجهم من الظلمات إلى النور وختم بهم من وصف بالصدق والأمانة قبل بعثته محمد صلى الله عليه وسلم، ومدحه الله عز وجل في كتابه العزيز بقوله: «وإنك لعلى خلق عظيم» وقال صلى الله عليه وسلّم: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»، ومكارم الأخلاق كما وصفتها السيدة عائشة «صدق الحديث، وصدق الناس، وإعطاء السائل، والمكافأة، وحفظ الأمانة، وصلة الرحم، والتذمم للصاحب "أي حفظ العهد"، وقرى الضيف، والحياء رأسها».
وتشير د. نجوى إلى أن حسن الخلق لن يتأتى للإنسان بين عشية وضحاها، بل ينشأ من البيئة المحيطة بالإنسان فيتلقى الأخلاق الحميدة، والفضائل والقيم من المحيط الذي يعيش فيه. قال أبو العلاء المعري: وينشأ ناشئ الفتيان منا على ما كان عوده أبوه .فالدين منهج حياة متكامل فلا يكمل إيمان المرء بأدائه الفرائض فقط، بل بالمعاملة الحسنة للآخرين، والصدق معهم، وصلة الرحم، وبر الوالدين، وحسن الجوار، واكرام الضيف، وغير ذلك.
ولا أدل على ذلك مما روي أنه صلى الله عليه وسلم: سئل عن امرأة كثيرة الصيام والصلاة؛ قالوا يا رسول الله: «فلانة تصوم النهار، وتقوم الليل، وتؤذي جيرانها. قال: هي في النار، وقالوا يا رسول الله: فلانة تصلي المكتوبات وتصدق بالأثوار من الأقط، ولا تؤذي جيرانها، قال: هي في الجنة»
وتؤكد د. نجوى أن حسن خلق المسلم ليس قاصرا على تعامله مع المسلمين فقط، بل مع جميع من يتعامل معه مسلم وغير مسلم، وقد كان الفاروق عمر رضي الله عنه يتحرى عدل الولاة بحسن معاملتهم وعدلهم مع رعايا الدولة الإسلامية من غير المسلمين، وقد انتشر الإسلام في كثير من الدول الأفريقية، ودول جنوب شرق آسيا عن طريق التجار، وما حدث ذلك إلا بحسن معاملة التجار المسلمين واتباعهم تعاليم الدين الإسلامي من حسن الخلق والصدق والأمانة والبعد عن الغش والخداع في البيع والشراء وحسن القضاء فيما بينهم فإذا طالب بدينه فليطلبه برفق ولين ويتجاوز عن المعسر وينظره إلى ميسرة، امتثالا لقوله صلى الله عليه وسلم :»رحم الله رجلا سمحا إذا باع ، وإذا اشترى، وإذا اقتضى»

الشيخ محمد إبراهيم: ضرورة الافتداء بالنبي في أفعالة وصفاته
ويشير الداعية الإسلامي الشيخ محمد إبراهيم إلى أن السيدة عائشة «رَضِيَ الله عنها» سئلت عن أخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم فأجابت: «أما تقرأ القرآن؟ قال: بلى فقالت: كان خلُقه القرآن»، والتى منها التواضع فقال تعالى: «وَلا تصعِر خَدَكَ لِلنَاسِ ولا تَمشِ فِي الأَرضِ مَرَحًا إِنَ اللَّهَ لَا يُحِب كلَ مختَال فَخورٍ»، والصِدق وهى الصفة التى كانت ملازمةً لِنَبِيّنا محمد صلى الله عليه وسلم في الجاهلية والإسلام فكانت قريش تلقبه بالصَادق الأمين، ووردت صفة الصدق في قولى تعالى: «إِنَ اللَّهَ يَأْمركم أَن تؤَدوا الامَانَاتِ إِلَىٰ أَهلِهَا وَإِذَا حَكَمتم بَينَ النَاسِ أَن تَحكموا بِالعَدلِ» وكذلك الوفاء بالعهود فوفاء الرسول صلى الله عليه وسلم وصلته لأرحامه التي أمره الله بِها كانت مَضرباً للمَثل.
ويرى الشيخ محمد أن من الصفات التي أمرنا بِها دينُنا وحثّنا عليها نبيّنا محمد هي صِفتي العدل والمساواة والّتي ذكرها في كثيرٍ من أحاديثه، والكرم فقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم لا يَردّ سائلاً مهما كانت حاجته، وكان تعامله مع أصحابه مثالاً للأخلاق الكريمة وكان أحسن الناس خلُقاً وأكرمهم وأَتقاهم، فما كانت خُصلةٌ مِن خِصال الخير إلَّا تَحلى بِها، لِقَوله تعالى في الآية الكريمة واصفاً بِها نبيّه الكريم: «وإنَّك لَعَلى خُلُقٍ عظيم».
فما من أمرٍ أمره به القرآن الكريم إلا وامتثل بِه صلى الله عليه وسلم واتّبَعه مهما كلّفه الأَمر، وما نهى عنه القرآن انتهى عنه وتركه. فقد كان -صلى الله عليه وسلم- يعامِل الجميع وخاصَة أصحابه رضوان الله عليهم معاملةً حسنةً؛ وكان يلقبهم أحسن الأَلقاب لِيعزز صفات الأُلفة والمحبّة فيما بينهم؛ وكان يَتَعاون مع أصحابه، فقد كان عليه الصلاة والسلام في سفرٍ مع أصحابه، فأمَرَهم بِطهو شاة، فقال أحدهم: عليَ ذبحها وقال آخر: عليَ سلخها وقال ثالث: عليَّ طَبخها، فقال الرسول: «وَعَلَيَّ جمع الحطب»، فقالوا: يا رسول الله نكفيك العمل، فقال: عَلِمتُ أَنَّكُم تكفونني، ولكن أكره أَن أتَميَّز عليكم، فإنّ الله سبحانه وتعالى يكره من عبده أن يراه متَميِّزاً بين أَصحابه».




