خطورة الجماعات الإسلامية.. نظرة بين الدين والتدين والواقع

يوسف عزت الشافعي إمام وخطيب ومدرس بوزارة الأوقاف المصرية
يوسف عزت الشافعي إمام وخطيب ومدرس بوزارة الأوقاف المصرية

بقلم: يوسف عزت الشافعي

إمام وخطيب ومدرس بوزارة الأوقاف المصرية

 

ليس الدين في ذاته هو المشكلة، بل ما يُفعل باسمه، وما يُنسب إليه زورًا من تأويلات، وما يُرتكب تحت رايته من ممارسات لا تمت لجوهره بصلة. فالدين، كما أنزله الله، نبع صافٍ، يروي القلوب، ويهذّب العقول، ويبني الإنسان والمجتمع على قيم الرحمة، والعدل، والكرامة، والحرية المسؤولة. لكن حين يُختطف هذا الدين من قِبَل جماعاتٍ تحمل اسمه ولا تمتثل لروحه، فإننا لا نكون أمام ظاهرة دينية، بل أمام خطر حضاري يُهدد الإيمان والإنسان معًا.

لقد نشأت الجماعات المؤدلجة في بيئات مأزومة، فاستغلت شوق الناس إلى التدين، وجراحهم المفتوحة من ظلم أو احتلال أو فساد، لتطرح نفسها بديلاً عن الدولة وعن العلماء وعن المؤسسات، وتدّعي أنها وحدها من يمثل الإسلام الصحيح. ولم يكن هذا التمثيل إلا ستارًا لمشروعات حزبية تُغذّي الصراع، لا الحوار، وتزرع الفرقة، لا الوحدة، وتنشر ثقافة التكفير والتخوين، لا ثقافة البناء والرحمة. كانت تلك الجماعات تُلبس أفكارها لبوس الشرع، فتبدو لمن لا خبرة له وكأنها تنطق بالوحي، بينما هي في حقيقتها تنطق بمصالحها، وتُفتّش عن السلطة لا عن السكينة، وعن النفوذ لا عن النجاة.

♦♦♦

الفارق بين الدين والتدين هو جوهر القضية. فالدين هو وحي الله، الثابت الخالد، المتجاوز للزمن والمكان، بينما التدين هو تفاعل الإنسان مع هذا الوحي، وقد يكون هذا التفاعل نقيًا أو مشوبًا، متزنًا أو متطرفًا، مخلصًا لله أو منحرفًا نحو الذات. لكن هذه الجماعات عملت على طمس هذا الفارق، وقدّمت نفسها على أنها "الدين" ذاته، لا نموذجًا من نماذج التدين. فكل من خالفها صار عدوًا لله، وكل من لم ينضم إليها فهو في نظرها متخاذل، ضال، غافل، مهما بلغ علمه أو صدقه أو صلاحه. هذه المصادرة للفهم، والاحتكار للحق، هي بداية الطريق نحو التسلط باسم الإيمان، وفرض الوصاية على الناس تحت شعار الهداية.

لقد رأينا كيف حوّلت هذه الجماعات الدين من مصدر نور إلى وسيلة ضغط، ومن رسالة سماوية إلى مشروع صدامي. لم يعد الدين في خطابها دعوة للإصلاح النفسي والاجتماعي، بل أصبح سلاحًا في معركة سياسية، يُستخدم لقلب أنظمة، وتحريض شباب، وتحطيم مجتمعات من داخلها. الخطير في الأمر أن لغة هذه الجماعات ليست دموية في ظاهرها دائمًا، بل قد تبدأ بوعظ ناعم، ودروس حماسية، وشعارات رنانة عن الجهاد والنهوض والخلافة والتمكين، لكنها تخبئ خلف هذا الوجه العاطفي مشروعًا فكريًا مغلقًا، يربط الإيمان بالانتماء الحزبي، ويربط الجنة بالسمع والطاعة لقادة التنظيم.

♦♦♦

لم تسع هذه الجماعات يومًا إلى فهم مقاصد الشريعة في عمقها، بل كانت تقتطع النصوص من سياقها، وتُغذّي عقلية الصراع، وتُربي أتباعها على الشك في العلماء، والتشكيك في المؤسسات، وتسفيه مناهج التعليم الرسمي، حتى ينشأ جيل مفصول عن مجتمعه، لا يرى الخير إلا فيما يعتقده التنظيم، ولا يعرف الانتماء إلا للجماعة. وهكذا، تحوّل الدين إلى هوية حزبية، لا إلى رسالة عالمية، وتحولت المساجد إلى منصات تعبئة، لا إلى بيوت رحمة وعبادة.

الخطر لا يتوقف عند حدود الفكر، بل يمتد إلى الواقع العملي. فقد أدت هذه الجماعات إلى انقسام المجتمعات، وتفتيت النسيج الوطني، وإشعال الفتن بين أبناء البيت الواحد. وأدّت أفعالها إلى تشويه صورة الإسلام عالميًا، حتى أصبح يُنظر إلى المسلم على أنه مشروع متطرف بمجرد تدينه، وأصبح الخطاب الإعلامي الغربي يجد في تصرفات هذه الجماعات مادة خصبة للهجوم على الإسلام نفسه، لا على المنحرفين باسمه. وللأسف، صمت كثير من المتدينين عن هذا التشويه، أو تورط بعضهم في تبريره، ظنًا أن الجماعة تمثل الدين، وأن من عاداها فقد عادى الله ورسوله، وهو ظن خطير يهدم الدين من داخله.

♦♦♦

وإذا تأملنا الواقع بإنصاف، وجدنا أن هذه الجماعات لم تُنتج علمًا نافعًا، ولا مشروعًا حضاريًا، ولا أخلاقًا راقية، بل أنتجت خطابًا تعبويًا يزرع الكراهية، ويُغذّي الاحتقان، ويُبرر العنف إذا لم يُعلن، ويُشيطن المخالف إذا لم يُكفّره. ثم إذا استقرّ لها شيء من السلطان، كشفت عن وجهها القاسي، الذي لا يعرف الرحمة، ولا يعترف بالتعدد، ولا يحترم من خالفها في الرأي. إنها لا تبني دولة، بل تُعيد إنتاج الفوضى باسم الشرع، وتُحوِّل التدين إلى وسيلة قهر، بدل أن يكون جسرًا للرحمة.

إن الواجب اليوم أن نعيد الدين إلى مساره الرباني، لا الحزبي، وأن نُفكك خطابات الجماعات من داخلها، لا بالصراخ، بل بالحجة والوعي والتربية. نحتاج إلى تجديد الخطاب الديني لا ليُساير الواقع فقط، بل ليُصلحه ويضبطه، على قاعدة الفهم المقاصدي المتوازن، الذي يربط النص بالواقع، ويصل الإيمان بالعلم، ويجعل من التدين قوة بناء لا وسيلة هدم. ويجب أن ندعم المؤسسات الدينية الرسمية والعلماء الوسطيين، وأن نُعيد الثقة بين الناس وبين فقهاء الأمة الحقيقيين، لا أولئك الذين اتخذوا من الدين سُلّمًا لحرب الآخرين، ولا أولئك الذين جعلوا الجماعة قبل الأمة، والطاعة قبل العقل، والانتماء قبل الهداية.

الإسلام لا يحتاج إلى جماعات تُقاتل باسمه، بل إلى نفوس تعرف قدره، وعقول تفقه حكمته، وقلوب تتخلق بأخلاق نبيه ﷺ. وما لم نفهم هذا، فسنظل نعيد إنتاج الأزمة، ونلوم الدين على ما لم يقترفه، ونُبقي الأمة أسيرة أوهام لا تنتهي.