فى بلاغة الفواصل القرآنية ٧

د. محروس بُريّك
د. محروس بُريّك

بقلم/ د. محروس بُريّك

مما عدل فيه القرآن إلى الفاصلة المنفردة فى آخر السورة، وليس له نظير فى بقية السورة، قوله تعالى فى آخر سورة النجم: (فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا) النجم: 62؛ فأغلب فواصل السورة مبنية على روي الألف المقصورة وذلك فى الآيات من (1-56) نحو: (هوى، غوى، الهوى...) ثم الفاء الموصولة بالهاء فى الآيتين (الآزفة57، كاشفة58) ثم النون المردوفة بالواو فى الآيات الثلاث التالية (تعجبون59، تبكون60، سامدون61) ثم تأتي الفاصلة المنفردة فى آخر السورة مبنيةً على روي الدال الموصولة بالواو فى قوله (واعبدوا 62)، والسياق المقامي والسياق المقالي للسورة، كلاهما يفضي إلى كون آخرِها أمرًا بعبادة الله وحده والسجود له دون غيره.

اقرأ أيضًا: في بلاغة الفواصل القرآنية 6

والناظر فى كلمة الفاصلة بل فى هذه الآية التي تحتويها يجد أنها احتوت على فعلي أمر للمشركين (فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا)، ولم يسبق فى السورة كلها فعل أمر سوى فعل واحد فى قوله تعالى مخاطبا النبي صلى الله عليه وسلم (فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا) النجم: 29 وفيما عدا ذلك وردت الأفعال جميعها بصيغتي الماضي والمضارع. ولمَّا كان سبب نزول السورة قول المشركين إن محمدًا يختلق القرآن جاء أمر اللهِ نبيَّه بأن يعرض عن الكافرين، وأن يؤمروا بالسجود لله وعبادته. 

إن هؤلاء الكافرين لمَّا أخذتهم روعة القرآن وقوة برهانه وحسن بيانه لم يستطيعوا إذ سمعوا الأمر بالسجود لله سوى أن يسجدوا خلف رسول الله، كما ورد فى الخبر الصحيح، لكنهم على الرغم من ذلك كله ظلوا على عنادهم فلم يستجيبوا لأمر الله تعالى بأن يعبدوه وحده لا يشركون به شيئا.

إذن عَدَل القرآن إلى الفاصلة المنفردة فى آخر السورة إيثارًا للمعنى على تناسب الإيقاع، وجاءت الفاصلة مخالفة فيما يشبه إسدال الستار فى نهاية المشهد، وإيحاءً بأنه لا قول بعد هذا القول الفصل، ولا حجة لهم بعد كل هذا البيان ألا يسجدوا لله ويعبدوه. لكن لماذا لم يُظهر القرآن الضمير فيقول (فاسجدوا لله واعبدوه) ففى ذلك عدول إيقاعي كذلك؟. 

الملاحظ أنه لو جاءت الفاصلة بإظهار الضمير لكانت أقل عدولاً من الفاصلة الحالية التي اختارها القرآن؛ إذ إن الفاصلة آنذاك ستتوافق مقطعيًّا مع الفاصلة فى الآيات السابقة (تعجبون، تبكون، سامدون) إذ الهيئة المقطعية لهذه الفواصل هي المقطع الطويل المغلق بصامت: (بون/ كون/ دون) ولو جاءت الفاصلة الختامية (واعبدوه) لكانت هيئتها المقطعية (دوه) موافقة لما قبلها، وحينئذٍ سيقتصر الخلاف بين النوعين فى حرف الفاصلة فحسب، لكن القرآن اختار الفاصلة الختامية (واعبدوا) لتصبح أشد عدولاً عن الفاصلة السابقة من جهة الإيقاع، وبخاصة أن المعنى مفهوم دون ذكر الضمير؛ إذ المراد فاسجدوا لله واعبدوه ولا تعبدوا غيره.

والعدول الإيقاعي من عدة وجوه: أولها: اختلاف الهيئة المقطعية لهذه الفاصلة عن سابقتها، وثانيها: اختلاف حرف الفاصلة، وثالثها: اختلاف نوع الفاصلة؛ ففاصلة الآيات الثلاث السابقة (مردوفة بالواو) فى حين أن فاصلة الآية الختامية (مجردة من الردف والتأسيس)، ورابعها: ورود فاصلة الآيات الثلاث غير موصولة، فى حين أنها فى الآية الختامية موصولة بالواو.

وهذا العدول الإيقاعي بجهاته المختلفة يوحي بمدى مخالفة ما هم عليه من عجب وضلال وضحك ولهو، لما يأمرهم الله تعالى به من جد وحق وامتثال لله تعالى بالسجود له وعبادته وحده دون سواه، إنه التباين الذي يصل إلى حد التناقض.