سقوط القيم قبل سقوط التعليم

د. إبراهيم نجم
د. إبراهيم نجم

بقلم: د. إبراهيم نجم المستشار العام لمفتي الجمهورية 

فى مشهدٍ صادمٍ يختزل تحوّلاتٍ خطيرة فى منظومة القيم، سمعنا عن اعتداء أولياء أمور على معلمةٍ لم ترتكب ذنبًا سوى أنها أدّت أمانتها، ومنعت الغش داخل لجنة الامتحان. 

وليس الحدث فى ذاته هو الأكثر إيلامًا، بل ما يكشفه من خللٍ عميق فى التصور الأخلاقي والتربوي، حتى صار الباطل يُدافع عنه، وصار الحق يُخاصم ويُعاقَب.                                                                    

هذه الواقعة ليست مجرد حادثة عابرة، بل هي علامة إنذارٍ حقيقية على تآكل الضمير الجمعي، وانقلاب موازين الفهم بين الحق والباطل، فحين يرى الأبناء آباءهم يبررون الغش، بل ويعتدون على من يمنعه، فما الذي يُغرس فى نفوس هؤلاء الأبناء؟ أي رسالةٍ أخطر من هذه الرسالة؟

اقرأ أيضًا: مناهجنا في زمن الإعصار التكنولوجي  

يتعلّم الأبناء، فى مثل هذا المشهد، أن الغش ليس جريمة بل حق مكتسب، وأن من يقف فى وجهه ظالمٌ متعسف، وأن المعلم ليس مربّيًا ولا صاحب رسالة، بل خصمٌ ينبغي التحايل عليه أو إخافته، ويتعلّمون كذلك أن البلطجة وسيلة مشروعة لفرض الإرادة، وأن الاعتداء طريقٌ لتحقيق المصلحة.

وهنا تتجلّى المفارقة المؤلمة: الطالب الذي حاول الغش قد يُعذر بضعفه أو خوفه أو قلة وعيه، أما الكارثة الحقيقية فهي فى أبٍ وأمٍ يشرعنان هذا السلوك، ويدافعان عنه، ويهينان من قام بواجب الحماية والرعاية، إننا أمام خللٍ فى وظيفة التربية ذاتها، حيث تحوّل البيت من حصنٍ للقيم إلى مبررٍ لانتهاكها. 

الإسلام، فى جوهره، قام على تعظيم الأمانة، وجعلها من أعمدة الإيمان، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “من غشّ فليس مني”. وليس هذا النص مجرد توجيهٍ أخلاقي عابر، بل هو تأسيسٌ لهوية المسلم الصادقة، التي تقوم على النزاهة فى القول والعمل، فكيف يُتصوّر بعد ذلك أن يُدافع مسلمٌ عن الغش، أو يُخاصم من يمنعه؟ 

ثم إن الاعتداء على المعلم، وهو فى مقام المربي، ليس فقط جريمة قانونية، بل هو سقوطٌ فى ميزان الأدب قبل أن يكون فى ميزان النظام. فقد درجت الأمة عبر تاريخها على توقير المعلم، حتى قالوا: “من علّمني حرفًا صرت له عبدًا”، فكيف إذا انقلب هذا التوقير إلى إهانة، وهذا الامتنان إلى عدوان؟

إن أخطر ما فى هذا المسار أنه لا يهدم مؤسسة التعليم فحسب، بل يهدم فكرة الاستحقاق ذاتها، فإذا نشأ الأبناء على أن النجاح يُنتزع بالغش، وأن التفوق يُصنع بالكذب، فإننا لا نخرّج طلابًا، بل نخرّج أزمةً أخلاقية ممتدة فى المجتمع، ستظهر آثارها فى كل مجال: فى العمل، وفى المسؤولية، وفى الأمانة العامة.  

وليس من المبالغة القول إننا لا نواجه أزمة تعليم، بل أزمة ضمير، فالمشكلة لم تعد فى تحصيل الدرجات، بل فى تحصيل المعاني، نحن بحاجة إلى إعادة الاعتبار لفكرة أن الخسارة بشرفٍ خيرٌ من مكسبٍ بالخداع، وأن الأمانة ليست خيارًا تجميليًا، بل هي أصل النجاة فى الدنيا والآخرة.

إن من يحب ابنه حقًا لا يفرح له بدرجةٍ ملوّثة، ولا يدافع عنه فى باطل، بل يعلّمه أن طريق النجاح قد يكون أطول، لكنه أنقى وأبقى، ومن يخاف على مستقبله لا يزرع فى قلبه أن الأمانة عدو، بل يغرس فيه أن الصدق هو رأس ماله الحقيقي.  

إننا اليوم أحوج ما نكون إلى بيوتٍ تعي أن التربية قبل الشهادة، وأن الأخلاق قبل المجموع، وأن الإنسان لا يُقاس بما يجمعه من درجات، بل بما يحمله من قيم. فابنك الذي يخسر درجةً بصدق، أكرم عند الله، وأبقى أثرًا، من ابنٍ يربحها بالغش والتزوير.   

ولعل هذه الحادثة، على قسوتها، تكون فرصةً للمراجعة، قبل أن يتحوّل الاستثناء إلى قاعدة، وقبل أن نصحو على جيلٍ لا يعرف للصدق معنى، ولا للأمانة وزنًا.