بقلم/ د. محمد فاروق الشوبكي
تنوع الأداء القرآنى فى حوار بين المولى عز وجل وإبليس، فنجد قوله تعالى فى سورة الحجر (قَالَ فَٱخرُج مِنهَا فَإِنَّكَ رَجِيم وَإِنَّ عَلَيكَ ٱللَّعنَةَ إِلَىٰ يَومِ ٱلدِّينِ) تكرر نفسه فى سورة (ص) باستثناء لفظ (لعنتي) بدل (اللعنة)؛ وذلك لأن الكلام فى سورة (الحجر) جرى على الجنس من أول القصة فى قوله: (وَلَقَد خَلَقنَا ٱلإِنسَٰنَ) [الحجر: ٢٦] (وَٱلجَآنَّ خَلَقنَٰهُ) [الحجر: ٢٧] كذلك قال (عليك اللعنة)، أما فى سورة (ص) فقد تقدم فيها قوله: (لِمَا خَلَقتُ بِيَدَيَّ) [ص: ٧٥] فختم بقوله: (عليك لعنتي).
اقرأ أيضًا: الحوار بين الله وإبليس «٢٩»
إذن بعد إخبار الله، عز وجل، فى سورتى (الحجر) و(ص) عن لعنه لإبليس، قال إبليس (قال رب فأنظرني) وكأنه قال: يارب إذ لعنتنى وآيستنى من الخير وطردتنى من رحمتك فأخر أجلى وأطل حياتى فى هذه الدنيا إلى يوم يبعثون، فلم تقع الإجابة إلى ما طلب؛ لأنه قال: (فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم) أى إلى الوقت الذى هو آخر أوقات الإحياء فاقتضى إضمار ((إذ لعنتنى يارب)) أن يأتى بالفاء فيقول فأنظرني، ويأتى فى جوابه بها وهو فإنك من المنظرين، فهو معطوف على السؤال عطف الكلام على الكلام الذى يقتضيه، لا عطف الإيجاب على السؤال؛ لأن الله تعالى لن يجيب عاصيًا مثله إلى ما يسأله، فدخول الفاء فى الموضعين لتقدم ذكر اللعن، وأن المعنى إن آيستنى من رحمتك فأخر أجلى؛ لأنال من عدوى الذى كان سبب ذلك ما أقدر عليه من الإغواء له، ولمن يكون من نسله، واستشفى بذلك لجهله.
السبب الثالث: أنه لما اقتضى المقام إظهار الضراعة وترتيب الاستنظار على الحرمان المدلول عليه بالطرد والرجم على نهج استدعاء الجبر فى مقابل الكسر ذكر المولى، عز وجل، المنادى، وأثبت الفاء كما فى سورتى (الحجر) و(ص).
أما فى سورة الأعراف فحيث اقتضى مقام الحكاية مجرد الإخبار بالاستنظار والإنظار سيقت الحكاية على نهج الإيجاز والاختصار من غير تعرض لكيفية كل منهما عند المخاطبة والجواب، ولا يلزم أن لا يكون ذلك نقلًا للكلام على ما هو عليه ولا مطابقًا لمقتضى المقام فالذى يجب اعتباره فى نقل الكلام إنما هو أصل معناه ونفس مدلوله.



