هناك لحظات تجعل الحياة تختلف عما كانت عليه قبلها، لحظات فارقة ومزلزلة لا يعود الإنسان بعدها كما كان من قبل، مهما حاول التظاهر بعكس ذلك، أو ارتدى أقنعة الثبات.
ومن أقسى هذه اللحظات وأشدها وطأة لحظة أن يخبرك الطبيب بأن أحد أفراد أسرتك مصاب بالمرض اللعين.
ولا تتوقف الصدمة عند هذا الحد، بل يضيف أن الحالة متأخرة، وأن الأعمار بيد الله وحده، وأقصى ما يمكن فعله الآن هو محاصرة المرض، والحد من انتشاره الشرس، وتخفيف آلامه وآثاره التي تنهش الجسد وتستنزف ما تبقى من قوة وصحة.
في تلك اللحظة يصبح المرض ضيفًا ثقيلًا حلّ على بيتك وقلبك وروحك دون استئذان، ضيف تعرف يقينًا أنه لن يغادر إلا بعد أن يصطحب معه من سكن جسده، تاركًا وراءه حزنًا لا ينتهي.
لكنك لا تعلم متى سيكون موعد الرحيل المحتوم؟ هل بعد أيام؟ أم أسابيع؟ أم شهور؟ وهل سيمنحكم بعض الوقت، أم سيعجل بالفراق؟.. تعيش حالة من الانتظار القاسي، انتظارٍ مريرٍ يستنزف الروح ولا يشبه أي انتظار عرفته من قبل.
تبكي بحرقة حين تختلي بنفسك، وتسقط قلاع قوتك المزيفة، ثم تمسح دموعك سريعًا لترسم ابتسامة باهتة عندما تكون بجوار مريضك، وتحاول أن تكون درعًا وسندًا صامدًا من أجله، بينما أنت في داخلك تتهاوى وتنهار ألف مرة كل يوم، ويتحطم قلبك، وتحاصرك الكوابيس المفزعة.
وتبدأ رحلة الأسرار المؤلمة، وصراع الكتمان الذي يحرق الفؤاد. تخفي عنه ما قاله الطبيب، وتبحث عن تفسيرات أخرى أكثر هدوءًا للأدوية والفحوصات والآلام، وتسبقه إلى المعامل والمستشفيات، وتهمس لمن يسحب العينة أو يكتب التقرير برجاء منكسر وعينين دامعتين ألّا يذكر كلمة «سرطان» أو «أورام» أمامه.
وتدعو الله أن تنجح في إخفاء الحقيقة يومًا آخر، ثم يومًا آخر، وكأنك تشتري له من الزمن أيامًا إضافية من الطمأنينة، أو تهديه ساعات قليلة لا يعكر صفوها الخوف. إنها حياة موجعة معلقة بين الأمل والخوف؛ أملٍ تدرك ضآلته، لكنك تتشبث به بكل ما أوتيت من رجاء، وخوفٍ جاثم على صدرك يرافقك في كل لحظة. تخشى السؤال، وتخشى الإجابة، وتخشى أكثر ما تخشاه أن تلتقي عيناك بعيني مريضك، فتدرك أنه عرف الحقيقة التي بذلت كل ما تستطيع لإخفائها.
ويبقى الأمل بالله وحده هو السند الأخير والملاذ الآمن، فهو سبحانه القادر على الشفاء، وعلى ما يعجز عنه الأطباء، والقادر على أن يهب الطمأنينة للقلوب المنكسرة، والصبر للنفوس المثقلة، والرحمة لمن أنهكه الألم وبلغ منه مبلغه.



