مجرد فكرة

حاضرًا رغم الرحيل

أميرة إبراهيم
أميرة إبراهيم

في الذكرى الخامسة لرحيل أستاذي ومعلمي وأبي الروحي، المفكر الإسلامي الكبير الدكتور محمد أبو ليلة ،رحمه الله ، ما زلت أشعر أن القلب لم يعتد هذا الغياب، ولن يعتاده، وأن الأعوام مهما تعاقبت لا تمحو أثر عالم جليل عاش للعلم والدعوة والقرآن، وترك في النفوس من المحبة والتقدير ما جعله حاضرًا أبدًا رغم قسوة الرحيل.

اقرأ ايضا| ذنوب لا ننتبه إليها

فثمة رجال لا تختصرهم المناصب، ولا تحتويهم السطور، ولا توفيهم الألقاب حقهم؛ لأن أثرهم يبقى نابضًا في القلوب قبل الكتب، وتظل سيرتهم وصايا مضيئة تمتد حيث لا تصل الأبدان. كان رحمه الله عَلَمًا أزهريًا جليلًا، ومفكرًا مستنيرًا نافذ البصيرة، وداعية عالميًا فريدًا، كرّس حياته وقلبه وعقله لخدمة الإسلام رسالةً ومنهجًا.

جاب أرجاء العالم، وحاضر في أعرق الجامعات وأرفع المحافل العلمية، حاملًا رسالة الإسلام بالحكمة والعلم والخلق الكريم. خاطب الغرب بلغته ومنطقه، وفنّد شبهات المستشرقين بحجة راسخة ورؤية عميقة، فكان صوتًا أزهريًا قويًا يصدع بالحق والبرهان. ترجم فضيلته معاني القرآن الكريم إلى الإنجليزية، وترك عشرات الكتب والمؤلفات التي تناولت قضايا الفكر الإسلامي والحوار بين الأديان بأمانة علمية ووعي فكري. كما أشرف على أجيال من الباحثين والعلماء، وأسهم في بناء مدرسة فكرية ما زالت آثارها ممتدة، يزداد حضورها رسوخًا مع مرور الزمن.

إن الذين عرفوه عن قرب وعاشوا معه مجالس العلم والصحبة، يدركون أن قيمته لم تكن في علمه الغزير وحده، وإن كان عظيمًا، بل في إنسانيته الراقية وتواضعه الجم الذي كان يأسر القلوب قبل العقول. كان متواضعًا بقدر علمه، قريبًا من الناس بقدر مكانته، وفي كل ذكرى تستحضر الذاكرة صورته مقرونة بزوجته الوفية التي شاركته رحلة العمر، وأبنائه وأحفاده وأفراد عائلته الذين ورثوا عنه نور العلم والصدق، وتلاميذه ومحبيه في مصر وخارجها، وكل من اهتدى بعلمه وأخلاقه.

خمسة أعوام مضت على الرحيل الجسدي، لكن فضيلته ما زال حيًا بيننا، بل حاضرًا في أعماقنا أكثر من كثير من الأحياء؛ حاضرًا في كتبه التي لا تموت، وأبحاثه التي لا تغيب، وتلاميذه الأوفياء، وكل علم تركه صدقة جارية ينتفع بها الناس في كل مكان.

وما أجمل الإنسان حين يرحل جسده وتبقى سيرته نابضة بالعطاء، وتظل روحه خفقة في قلوب محبيه.

 

ترشيحاتنا