مجرد فكرة

ذنوب لا ننتبه إليها

أميرة إبراهيم
أميرة إبراهيم

بقلم: د. أميرة إبراهيم

يحرص الكثيرون على الابتعاد عن الذنوب الكبيرة الواضحة، لكنهم مع الأسف قد يقعون دون انتباه في ذنوب يومية يستهينون بها، يظنونها عابرة لا أثر لها، بينما تترك في القلب ثقلًا خفيًا، وتسلب الروح طمأنينتها شيئًا فشيئًا.

اقرأ أيضا| لبيك اللهم لبيك

فليست كل الذنوب صاخبة تُعلن عن نفسها بوضوح، فهناك ذنوب هادئة تتسلل إلى القلوب في صمت، حتى تُطفئ نورها تدريجيًا، وتترك الإنسان يشعر بضيق لا يعرف له سببًا، ووحشة لا يفسرها، رغم أن كل شيء حوله يبدو على ما يرام.

ومن أخطر هذه الذنوب الغيبة، ذلك الحديث الذي يبدأ أحيانًا بدافع الفضفضة أو التسلية أو حتى بدعوى “قول الحقيقة”، لكنه ينتهي بأكل لحوم الناس معنويًا، وتشويه صورتهم، وكسر هيبتهم في غيابهم.

وهناك ذنب يراه البعض بسيطًا، بينما أثره عند الله عظيم، وهو كسر الخواطر؛ فما أقسى أن تُطفئ فرحة إنسان بكلمة، أو تُهين مشاعره بسخرية، أو تقلل من ألمه، أو تُحرجه أمام الآخرين، أو تُقابل ضعفه بالقسوة.

قد تمر اللحظة عليك عادية، لكنها تترك في قلب غيرك وجعًا طويلًا لا يُنسى.

أما الظلم، فليس دائمًا أن تسلب مالًا أو حقًا واضحًا؛ فقد يكون الظلم كلمة جارحة، أو حكمًا قاسيًا، أو تجاهلًا متعمدًا، أو تفضيلًا يؤذي النفوس، أو قهرًا خفيًا لا يراه الناس. وقد يسكت المظلوم، لكن دعوته لا تسكت أبدًا.

وفي زمن التنافس والمقارنات، أصبحت الشماتة عند البعض أمرًا مألوفًا؛ يفرح البعض لسقوط غيره، أو يتلذذ بوجعه، ناسيًا أن الأيام متقلبة، وأن من أمن البلاء أساء الأدب. فما أشد قسوة قلب يبتسم لألم غيره!

كما أصبحت الكلمة الجارحة أخف ما يُقال وأثقل ما يُحمَل: تعليق ساخر، تجريح، استهزاء، تنمر، أو حكم قاسٍ يُكتب في لحظة غضب أو استهانة، بينما يترك أثرًا قد يلازم صاحبه سنوات.

نعم، ليس كل جرح يُرى، فبعض الندوب تسكن القلوب. والأخطر من الذنب نفسه أن نعتاده، وأن يصبح الخطأ طبيعيًا، والجرح أمرًا معتادًا، والغيبة “تسلية”، والقسوة “صراحة”، والشماتة “رد فعل”.

هنا يفقد القلب حساسيته، ويألف الخطأ حتى لا يعود يشعر بثقله.
فاحذروا الذنوب التي تبدو لكم صغيرة، فبعض الأثقال لا تُرى لكنها تُرهق القلب بصمت.