فــوائد الحـــجّ

د. أسامة هاشم الحديدي
د. أسامة هاشم الحديدي

بقلم: د. أسامة هاشم الحديدي - مدير مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية
 

مضت أيَّامُ الحجِّ المباركة، وانصرف الحجيجُ إلى ديارهم بعد أن أدَّوا الرُّكنَ الأعظمَ من أركانِ الإسلام، ولبَّوْا نداءَ ربِّهم جلَّ وعلا، يملأُ قلوبَهم الرَّجاءُ بالمغفرةِ والقبول، بعد أن امتلأت بالشَّوقِ والحنينِ إلى رؤيةِ البيتِ العتيق.

وصدق فيهم قولُ الله تعالى: (لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ) [الحج: 28].

وفى الحجِّ إلى بيتِ الله الحرام تجتمعُ منافعُ دينيَّةٌ ودنيويَّةٌ، ولا تقتصرُ تلك المنافعُ على الحجيجِ فقط، بل تمتدُّ المنحُ الإلهيَّةُ، وتتعدَّدُ المنافعُ الرَّبانيَّةُ لتشملَ الأُمَّةَ بأسرها.

اقرأ أيضا| الحج رحلة القلوبِ والأبدان

فمن أعظمِ هذه المنافعِ وأجلِّها: إظهارُ وحدةِ الأُمَّةِ الإسلاميَّةِ باجتماعِ هذا الكمِّ من حُجَّاجِ بيتِ الله الحرام في وقتٍ واحدٍ ومكانٍ واحدٍ، يرتدون لباسًا واحدًا، وينطقون دعاءً واحدًا، فلا فرقَ بين أبيضِهم وأسودِهم، ولا بين كبيرِهم وصغيرِهم، ولا بين غنيِّهم وفقيرِهم. فالكلُّ في صعيدٍ واحدٍ، مجتمعون خاشعون، مُلبُّون متذلِّلون لربِّ العزَّةِ وحده.

اجتمعوا في سلامٍ وطمأنينةٍ بعد أن فرَّقتهم الصِّراعاتُ، ومزَّقتهم الخلافاتُ.
فالحجُّ منحةٌ ربَّانيَّةٌ، وشعيرةٌ دينيَّةٌ، وفرصةٌ دنيويَّةٌ. فلم تعرفِ الدُّنيا كلُّها اجتماعًا بشريًّا مثل اجتماعِ الحجيجِ من جميعِ الأجناسِ والأطياف، تذوبُ بينهم الفوارقُ رغم كثرتِها وتنوُّعِها، وتتَّحدُ وجهتُهم وزِيُّهم وشعارُهم.

وتمتدُّ هذه الوحدةُ حتى إلى مَن لم يكنْ ضمنَ الحجيج، فالمسلمون في جميعِ أصقاعِ الأرضِ تتوحَّدُ رغبتُهم، وتتعلَّقُ قلوبُهم، وتشتاقُ أبصارُهم في هذه الأيَّامِ إلى وجهةٍ واحدةٍ هي بيتُ الله الحرام.

ووحدةُ الأُمَّةِ مقصدٌ شرعيٌّ، ونفعٌ ربَّانيٌّ؛ فقوَّةُ الأُمَّةِ تكمنُ في وحدتِها وتماسُكِها واعتصامِها بنهجِ ربِّها، كما قال تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا  كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) [آل عمران: 103].

وإذا كانت الشَّعائرُ الإسلاميَّةُ تسعى إلى توحيدِ الأُمَّة، فهم يصلُّون إلى قبلةٍ واحدةٍ في صلاةِ الجماعةِ يوميًّا، ويجتمعون في جمعةٍ واحدةٍ أسبوعيًّا، كلٌّ في موطنِه وبين أهلِه، حتى إذا جاء حجُّ بيتِ الله الحرام اجتمع المسلمون من كلِّ حدبٍ وصوبٍ، تاركين أوطانَهم وأهلَهم، ويصبحُ انتماؤهم جميعًا إلى الدِّينِ وحده. أليس هذا أعظمَ نفعٍ للأُمَّة؟

ومن منافعِ الحجِّ التي تستفيدُ منها الأُمَّةُ: إطعامُ فقراءِ المسلمين. فبعد ازديادِ أعدادِ الحجيجِ عامًا بعد عامٍ، أصبح ما يُذبحُ من الهَدْي يفيضُ عمَّا يحتاجُه فقراءُ الحرمِ الشريف، فتُجمعُ الذبائحُ وتُوزَّعُ على فقراءِ المسلمين في أنحاءٍ كثيرةٍ من العالم، في البلادِ الفقيرةِ أو التي قد يُصيبُها الجفافُ خلالَ العام، فيطعمون منها وتُسدُّ حاجتُهم، في أعظمِ صورةٍ من صورِ التَّكافلِ والتَّكاملِ في الأُمَّةِ الإسلاميَّة.

كما أنَّ الحجَّ فرصةٌ للرَّواجِ الاقتصاديِّ للأُمَّة؛ فموسمُ الحجِّ يوفِّرُ آلافَ فرصِ العملِ في خدمةِ الحجيجِ في قطاعاتِ النَّقلِ والطيرانِ والسِّياحةِ الدِّينيَّةِ وغيرها من القطاعاتِ والاستثمارات، فيتحقَّقُ قولُ ربِّنا جلَّ وعلا: (لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ) [الحج: 28].

ورغم تعدُّدِ منافعِ الحجِّ بين منافعَ دينيَّةٍ ودنيويَّةٍ، واقتصاديَّةٍ واجتماعيَّةٍ، فإنَّه سيظلُّ أداءُ فريضةِ الحجِّ أعظمَ تجسيدٍ للطاعةِ الرَّبانيَّةِ، والامتثالِ للأوامرِ الإلهيَّة.