بقلم: د. إبراهيم نجم المستشار العام لمفتي الجمهورية
يقول الله تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ (التوبة: 105). في هذه الآية الكريمة إشارة عميقة إلى أن العمل مع الإخلاص وحده لا يكفي، بل لا بد أن يكون ملموسًا ومرئيًا ومُدرَكًا؛ الله يراه سبحانه، والرسول يراه ﷺ، والمؤمنون يرونه.
اقرأ أيضا| من الصحابة إلى الإمام محمد عبده: كيف تعامل المسلمون مع الآثار؟
وفي هذا دلالة بالغة على أن الشفافية والتواصل حول الفعل الإيجابي ليسا ترفًا أو زيادة، بل هما من متطلبات العمل الصالح المُثمر في بُعده الاجتماعي والمدني، فلا يكفي أن تعمل خيرًا دون أن تمكّن الآخرين من رؤيته والاقتداء به والمشاركة فيه.
ومن هذا المنطلق الشرعي العميق تنبثق ضرورة ما بات يُعرف اليوم بـ»الإعلام التنموي»؛ ذلك الخطاب الذي يُعرّف المواطن بما تُنجزه الدولة وما تسعى إليه، ويُرسّخ الوعي العام بمسارات البناء والعمران، ويُحوّل الإنجاز من معلومة جامدة في صدر التقارير إلى قناعة حيّة في قلب كل مواطن. وهو خطاب لا تستغني عنه أمة تريد أن تنهض بجميع طبقاتها، لا بنخبتها وحدها.
أمر الله تعالى نبيّه ﷺ بالبيان الكامل حين قال: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (النحل: 44).
والبيان ليس مجرد ذكر الحقيقة، بل هو إيصالها إلى عقول المخاطبين وقلوبهم بأسلوب يجعلها مفهومة ومؤثرة. ولهذا كان النبي ﷺ يُكرّر الكلام ثلاثًا حتى يُفهَم، ويضرب الأمثال، ويُخاطب كل قوم بلغتهم ومستوى إدراكهم، حتى قال أنس بن مالك رضي الله عنه: «كان رسول الله ﷺ إذا تكلّم بكلمة أعادها ثلاثًا حتى تُفهم عنه». هذا هو النموذج النبوي في التواصل: بلاغ لا يكتفي بالصحة، بل يحرص على الوصول.
وما صحّ في بيان الوحي من حيث المبدأ يصح في كل بيان حقٍّ ومصلحة عامة ولهذا فإن الصمت عن إعلام الناس بمصالحهم الحقيقية، أو الاكتفاء بخطاب أرقام جافة لا يفهمها كثيرون، هو نوع من الإخلال بواجب البيان.
وقد ذهب الفقهاء إلى أن من مقاصد الشريعة الكبرى حفظ العقل؛ أي تمكين الناس من الفهم والإدراك الصحيح لأمور دينهم ودنياهم. فكل إعلام يُعين المواطن على فهم واقعه وإدراك ما يجري في وطنه هو استجابة لهذا المقصد العظيم وإحياء لروحه.
حين تبني الدولة مشروعات عملاقة في الزراعة والإسكان والطرق والنقل، لكن المواطن لا يعرف الرابط بين هذه المشروعات وحياته اليومية، تنشأ ما يمكن تسميته «الغيبة التنموية»: غياب المواطن عن وعيٍ حقيقي بما يُبنى باسمه ولأجله.
وهذه الغيبة خطيرة لأنها تُفضي إلى واحد من محذورين: إما فراغ معرفي يملؤه الشك والإشاعة، وإما لامبالاة تقطع المواطن عن الشعور بالانتماء والمسؤولية المشتركة.
وقد نبّه القرآن الكريم إلى خطر الإشاعة وضعف التحقق في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ (النساء: 83). والعلاج القرآني لهذا الداء هو الرد إلى أهل العلم وأولي الأمر، لكن هذا يستلزم بالمقابل أن يكون أولو الأمر قريبين من الناس، مُعلِّمين لهم، مُجيبين عن تساؤلاتهم بوضوح وأمانة.
والعلاقة إذن تبادلية: على المواطن أن يُحسن الظن ويتثبّت، وعلى وُلاة الأمر أن يُحسنوا البيان ويُديموه.
وفي السياق ذاته، حذّر العلماء من ظاهرة «الإرجاف»، وهي بث الأخبار المُقلقة والمُثبِّطة دون أساس، وعدّوها من كبائر الأذى الاجتماعي.
وأنجع علاج للإرجاف ليس القمع والمنع، بل سبق الخطاب الصادق إلى الميدان؛ فالفراغ المعلوماتي لا يبقى فارغًا أبدًا، إذ يسارع الكذب إلى ملئه حين يتأخر الصادق عن أداء واجب البيان.
إن مسؤولية الإعلام التنموي لا تقع على عاتق الدولة وأجهزتها الإعلامية وحدها، بل هي مسؤولية دينية مشتركة يشترك فيها العلماء والدعاة والمؤسسات الدينية.
فالعالم الذي يُعين الناس على فهم مصالحهم الدنيوية المشروعة يؤدي فريضة النصيحة التي جعلها النبي ﷺ جوهر الدين حين قال: «الدين النصيحة، قلنا: لمن؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم» (رواه مسلم).
وأولى النصائح لعامة المسلمين أن تُعينهم على البصيرة بأوضاعهم وإدراك السُبل الكفيلة بتحسين حياتهم ضمن منظومة بناء أوطانهم.
وهذا ما يجعل منابر المساجد وحلقات العلم والمؤسسات الدينية والمجلات الفكرية الإسلامية مدعوّة جميعها إلى إدراج الإعلام التنموي ضمن فقه الواجبات الاجتماعية.
فليس من الحكمة أن ينصرف الخطاب الديني إلى المسائل الفردية ويُغفل الشأن العام الذي يمس حياة الجماعة ومستقبل الأجيال. والفقه الإسلامي في أرقى تجلياته فقه جماعي شامل، يُعنى بإصلاح الدنيا كما يُعنى بصلاح الآخرة، ويرى في عمارة الأرض عبادة لا تقل شأنًا عن سائر العبادات.
إن الخطاب التنموي الفاعل يستلهم من القرآن الكريم منهجه في التخاطب الإنساني: الإقناع بالحجة، والتأثير بالقصة، والتحفيز بالمآل. فالقرآن حين أراد حثّ الناس على الإنفاق لم يكتفِ بالأمر المجرد، بل ضرب المثل: ﴿مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ﴾ (البقرة: 261).
وحين أراد تعليم الناس أثر العمل الصالح في الجماعة جسّد ذلك في قصص الأنبياء والأقوام بلغة تلمس القلوب قبل أن تخاطب العقول.
هذا هو النموذج الذي يحتاجه الإعلام التنموي اليوم: أن يتجاوز جفاف الأرقام إلى دفء القصص، وأن ينتقل من تقديم الإنجاز كرقم في تقرير إلى تقديمه كأثر حقيقي في حياة إنسان حقيقي.
فقصة الفلاح الذي انتقل من محافظة فقيرة ليجد عملًا ومستقبلًا في أرض مستصلحة أبلغ في بناء الوعي العام من كل إحصاء.
إن المواطن الواعي ليس عبئًا على التنمية، بل هو وقودها الحقيقي وضمانة استدامتها. والوعي لا يُصنع بالإعلانات وحدها، بل بخطاب صادق ومستدام يُجيب عن سؤال كل إنسان: «ما الذي يعنيه هذا بالنسبة لي ولأسرتي ولمستقبل أبنائي؟».
حين تُجيب الدولة والمؤسسات المدنية والدينية عن هذا السؤال معًا، يتحول المواطن من متفرج إلى شريك فاعل في مسيرة العمران، وهو التحول الذي عبّر عنه القرآن بقوله: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ﴾ (المائدة: 2)



