من الصحابة إلى الإمام محمد عبده: كيف تعامل المسلمون مع الآثار؟

الدكتور إبراهيم نجم
الدكتور إبراهيم نجم

الدكتور : إبراهيم نجم

لا يخفى على أحد أن أرض مصر تزخر بمعابد وتماثيل وآثار عريقة سبقت الإسلام بقرون طويلة، وعندما دخل المسلمون مصر بقيادة عمرو بن العاص رضي الله عنه في القرن السابع الميلادي، وجدوا أنفسهم أمام حضارة فرعونية شامخة بأهراماتها وأبي الهول وغيرهما، فكيف كان رد فعل الصحابة تجاه هذه الآثار الضخمة؟

تُجمع المصادر التاريخية الموثوقة على أنه لم يُسجَّل عن الصحابة أي محاولة لتخريب أو هدم تلك المعالم. لم يعتبرها الفاتحون المسلمون أصنامًا يجب تحطيمها، بل رأوا أنها خرجت عن نطاق العبادة إلى نطاق التاريخ. فقد دخلوا مصر وعاينوا التماثيل الفرعونية قائمة، ولم يُعرف عنهم أنهم مسّوها بأذًى، بل تركوها على حالها. وهذا الموقف لم يكن تغافلًا أو تهاونًا منهم – وحاشاهم ذلك – وإنما كان فهمًا شرعيًا دقيقًا يفرّق بين ما يشكّل تهديدًا للعقيدة وبين ما هو باقٍ كشاهدٍ تاريخي لا طائلَ من هدمه.

القاعدة التي أرساها الصحابة بوعيهم المبكر هي: “ما لا يُعبد لا يُزال.” أي أن ما دام الشيء لا يُعبَد من دون الله، فلا موجب لإزالته أو تحطيمه. وهكذا وضع الصحابة لَبِنةً مهمة في منهج التعامل الإسلامي مع الآثار: الإسلام يحارب عبادة الأصنام، لكنه لا يحارب التاريخ ولا الذاكرة الحضارية.

استمر هذا الفهم في وجدان الحضارة الإسلامية عبر القرون. فنجد رحّالة المسلمين وجغرافييهم – كالمقدسي في القرن الرابع الهجري، وعبد اللطيف البغدادي في القرن السابع – يجوبون البلاد ويوثّقون بدقة مشاهداتهم للآثار القديمة. كتب المقدسي البشاري وصفًا تفصيليًا لأهرامات مصر وأبي الهول، مُظهرًا إعجابه بهذه العجائب الهندسية، دون أن يُبدي أي دعوة لهدمها أو انتقاص من بقائها. ومثله سجّل عبد اللطيف البغدادي قياسات الأهرام وتأمّل في كيفية بنائها، بدافع الشغف بالعلم والمعرفة.

هذه المؤلفات وغيرها تدل على روح الاستكشاف والمعرفة لدى العلماء المسلمين، وغياب أي نزعة تحطيمية أو عداء للآثار في مدوناتهم. لقد رأى أولئك العلماء في الآثار “سجلاتٍ للعِبرة والمعرفة” لا مصدرًا للقلق الديني. ولم يكن في قلوبهم خوفٌ من ضلالٍ أو شركٍ بسبب تأملهم في التماثيل والمعابد الباقية من الأمم الغابرة، ما داموا ينظرون إليها كعِبرة تاريخية لا كرموز دينية.

ومع دخول العصر الحديث، واجه المسلمون تحدياتٍ جديدة بشأن التراث الفني والآثاري، في ظل موجاتٍ من الفكر المتشدد أحيانًا. لكن المنهج الوسطي سرعان ما نهض ليوضح الرؤية. ويبرز هنا دور الإمام المجدد محمد عبده (1849–1905)، الذي جسّد امتدادًا حيًّا لفهم السلف في التعامل مع الآثار.

زار الإمام محمد عبده بلاد الغرب واطّلع على عنايتهم الكبيرة بتراثهم الفني والتاريخي، فرأى في ذلك دروسًا للمسلمين. كتب في مقالة شهيرة بعنوان «السائح البصير» عن زيارته لجزيرة صقلية، منوّهًا إلى إعجابه بحرص الأوروبيين على حفظ الرسوم والتماثيل القديمة، ومقارنًا ذلك بما قام به المسلمون الأوائل من حفظٍ لشعر الجاهلية وتراثها الأدبي. واستخلص الإمام عبده حكمة بليغة: إذا كان المسلمون يحفظون شعر الجاهلية مع ما فيه أحيانًا من ذكر أصنامٍ وأوثان، فلا حرج من حفظ رسوم الأمم السابقة وتماثيلها ما دامت معاني العبادة الوثنية قد زالت عنها.

أصدر الإمام محمد عبده فتواه الشهيرة التي تنفي تحريم التماثيل والأعمال الفنية من حيث الأصل، طالما أنها لا تُتخذ للعبادة أو لتشويه العقيدة. وقد قال كلمته الخالدة في هذا السياق: “إن معنى العبادة وتعظيم التمثال أو الصورة قد مُحيَ من الأذهان، وإزالة علة التحريم بزوال العبادة أمر واضح.”

بل ذهب إلى أبعد من ذلك موضّحًا أن الشريعة الإسلامية أسمى من أن تُحرِّم وسيلةً من أفضل وسائل العلم بعد تحقق انتفاء الخطر على العقيدة. لقد استخدم قاعدة أصولية راسخة: “الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا.” فإذا كانت العلة – أي عبادة التمثال – قد انتفت، انتفى الحكم بالتحريم.

وهكذا جدّد الإمام عبده من داخل النصوص الشرعية فهمًا معاصرًا يتناغم مع مقاصد الدين في حفظ المعرفة والهوية. وقد كان لهذه الفتوى أثرٌ عظيم في زمنه، إذ هدّأت من روع بعض العامة الذين عارضوا نصب التماثيل التكريمية في الميادين آنذاك، مثل تمثال إبراهيم باشا ثم تمثال محمد علي باشا الشهير في الإسكندرية. بفضل حكمة الإمام عبده، أدرك الناس أن التكريم الفني والتاريخي لشخصيةٍ ما عبر التمثال ليس عبادةً محرمة، بل تخليدٌ مباح للذكرى.

من الصحابة إلى محمد عبده، نرى خيطًا واحدًا يربط تعامل المسلمين مع الآثار: خيط الاعتدال والفهم العميق للدين. فالدين الذي حضَّ أتباعه على النظر في عاقبة الأمم السابقة لم يكن يومًا داعيًا إلى طمس ما خلّفوه من شواهد وعِبَر. وفي كل حقبة، تصدّى علماءُ ربانيون لتصحيح المفاهيم الخاطئة: إن الآثار تُحترم وتُصان ما دامت لا تُعبد.

هذا الإرث الثري هو ما ورثناه اليوم في فتاوانا المعاصرة التي تستند إلى الماضي بروحٍ جديدة. ولعل افتتاح المتحف المصري الكبير الآن خيرُ دليلٍ على أن فهم المسلمين لتراثهم يجمع بين توقير العقيدة وحفظ التاريخ. إنه تتويج لقرونٍ من الفهم الوسطي الذي يمثله الصحابة والعلماء المجددون: فهمٌ يحفظ الهوية والتاريخ دون أن يُخلّ بالعقيدة – مصداقًا لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الحكمة ضالّة المؤمن أنّى وجدها فهو أحقّ بها.»