تحت لواء القرآن

في بلاغة الفواصل القرآنية 6

 د. محروس بُريّك
د. محروس بُريّك

بقلم: د. محروس بُريّك

لأن القرآن ليس شعرًا نجد أن نمط بناء الفواصل القرآنية لا يطّرد اطّراد قوافي الشعر؛ ذلك أن الفاصلة القرآنية غرضها إقامة المعنى، ويأتي الوقع الصوتي تاليًا لهذا المعنى؛ لذا نجد مواطن كثيرة في الفواصل يعدل فيها القرآن عن الوقع الصوتي المتوقع في حرف الفاصلة إلى وقع آخر مخالف.

اقرأ أيضا| في بلاغة الفواصل القرآنية (٥)
 

وأجلى موضع في ذلك العدول إلى فاصلة الثاء في آخر سورة الضحى، وهو عدول عن حرف الفاصلة الذي بُنيت عليه الفواصل قبل هذه الآية وهو الراء إلى روي آخر لا نظير له في السورة، وذلك قوله تعالى: (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ * وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ) الضحى: 9-11، وليس في السورة كلها حرف ثاء على الإطلاق لا فاصلة ولا غيرها؛ ولو كان الغرض مجرد مراعاة الفاصلة لعبر القرآن بقوله (فخبر) أو نحو ذلك مما يؤدي هذا المعنى المعجمي وفاصلته راء.

والناظر في هذه الآيات يتبين له أن البنية الإيقاعية لفواصلها واحدة سواءً أكان رويُّها راءً أم ثاءً أم أيَّ صامت آخر؛ ومن ثم يظل السؤال عن سر اختيار إتيان الروي المخالفُ ثاءً - دون غيره من الصوامت - قائمًا، وهذا يدفعنا إلى بيان مدى التغاير الصوتي لهذا الصامت عن صوت الراء (روي الآيات السابقة).

ولمَّا كان صوتُ الثاء غيرَ متحقق في الفراغ إنما هو جزء من بنية مفردة معجمية هي كلمة (فحدِّثْ) كان لابد كذلك من بيان الخصائص المعجمية لهذه المفردة في هذا السياق الخاص (سياق سورة الضحى).

فأما على المستوى الصوتي فالثاء صوت مما بين الأسنان احتكاكي مهموس، والراء صوت لثوي مكرر مجهور. وفي العدول عن الروي المجهور إلى الروي المهموس إيحاء بخفوت الصوت عند التحديث بنعمة الله في خضوع وخشوع دون جلبة وضجيج يجنح بصاحبه إلى العجب والكبر وتزكية النفس؛ إذ إن الخطاب وإن كان للنبي –صلى الله عليه وسلم- إلا أن الحكم عامٌّ له ولغيره؛ لذا رُوي أن أبا فراس عبد الله بن غالب كان إذا أصبح يقول: «لقد رزقني اللّه البارحة كذا، قرأت كذا، وصليت كذا، وذكرت اللّه كذا، وفعلت كذا».

فيُقال له: «يا أبا فراس، إن مثلك لا يقول هذا»، يخشون أن يكون قوله ذلك رياءً. فكان يقول: «يقول اللّه تعالى: {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ}، وتقولون أنتم: لا تحدث بنعمة اللّه!!».

وأما على المستوى المعجمي فيقول الطاهر بن عاشور: «والتحديث: الإِخبار، أي أخْبِر بما أنعم الله عليك اعترافاً بفضله، وذلك من الشكر» ولا أرى أن التحديث بمعنى الإخبار؛ إذ إن القرآن- على حد تعبير الزركشي -  «اختار قوله: {فَحَدِّثْ} على قوله فخبر، ليكون ذلك حديثًا عنده لا ينساه، ويعيده مرة بعد أخرى»، فالتحديث إخبار وزيادة. يقول ابن فارس: «(حدث) الحاء والدال والثاء أصلٌ واحد، وهو كونُ الشيء لم يكُنْ. يقال حدثَ أمرٌ بَعْد أن لم يكُن. والرجُل الحَدَثُ: الطريُّ السّن. والحديثُ مِنْ هذا؛ لأنّه كلامٌ يحْدُثُ منه الشيءُ بعدَ الشيء».

ففي العدول إلى الفاصلة المنفردة في آخر السورة تقديم لجانب الدلالة على جانب التوافق الصوتي؛ إذ المراد شكر الله عز وجل والتحديث بنعمه شيئًا بعد شيء في خشوع وخضوع واعتراف له سبحانه وتعالى بالفضل.