الحق المبين

لماذا يكره المتطرفون خير أجناد الأرض ؟

د. أسامة الأزهري وزير الأوقاف
د. أسامة الأزهري وزير الأوقاف

بقلم/ د. أسامة الأزهري

فى زمنٍ تتشابك فيه المفاهيم، وتتداخل فيه الأصوات بين الحق والباطل، جاء مشروع «الحق المبين»؛ الذي تم من خلاله تحويل كتاب «الحق المبين فى الرد على من تلاعب بالدين» إلى مقالات يتم نشرها تباعًا بجريدة «اللواء الإسلامى» الغراء؛ ولم يكن الدافع من ورائها رغبةٌ فى الجدل أو الدخول فى سجالات فكرية، بل كان ذلك قيامًا بواجبٍ دينيٍّ ووطنيٍّ موزونٍ بميزان العلم، ومعروضٍ على موازين الحكمة، والمنطق، والفكر الرصين؛ ليكون منارةً لتصحيح المسار، وحائطَ صدٍّ أمام تيارات التطرف التي عبثت بالنصوص الشرعية، وشوَّهت صورة الدين، وأساءت إلى قيمه العليا.

تابعنا على مدار السنوات الماضية الشغب الذي أثارته تيارات الإسلام السياسي المختلفة حول الحديث النبوي الشريف الذي يرد فيه ذكر الجيش المصري بوصفه خير أجناد الأرض، وهذا الجهد الجهيد والعدوان الذي بذلته كل هذه التيارات لأجل نزع القداسة أو لأجل تجريد الجيش المصري من واحدة من كبرى مميزاته المعنوية التي يستند إليها ليس عدوانًا فقط على الأوطان، وإنما سرقة علمية لعلم شريف وعلم عظيم وهو علم الحديث الشريف.

اقرأ أيضًا: مصر في القرآن الكريم - أرض البركة والأنبياء 2

هذه السرقات التي أشرنا إليها فى مقالات سابقة قامت بها تيارات الإسلام السياسي حين صادرت بعض العلوم واحتكرتها أو أبدعت احتكارها وحصرتها فى أفرادها ومشايخها وما يمكن تسميته مجازًا "علماؤها". 

هذه المقالات هي كر وصولة جديدة مع تيارات الإسلام السياسي على أرضية وطنية فى مقام، وعلى أرضية دينية متعلقة بالصنعة الحديثية التي تدعيها هذه التيارات، فتدعي العلم وهي تشغب على الناس كل هذا، تدعي أنها تنتصر للإسلام بينما فى حقيقة الأمر ينضح الجهل من جنبات كل تصرفاتها ومقولاتها ومؤلفات مشايخها.

وأجد نفسي مضطرًا أن أجنح جدًا إلى الأكاديمية المغرقة وهذا يؤلمني؛ لأنه على مدى سنوات من التشرف بمخاطبة الناس فى الإعلام، كنت أبذل مجهودًا هائلًا فى تذليل وتسهيل وتليين المعلومة الأكاديمية لتمثل وجبة سائغة وسهلة للقارئ الكريم.

واليوم مضطر أن أخل بهذه القاعدة لأن تلك المقالات موجهة لكثير من أدعياء العلم من أبناء هذه التيارات المتطرفة على اختلاف مسمياتها،
ومن العجيب أن هناك تيارات أخرى رافضة للفكر الديني بالكلية تلتقي معهم فى هذه الجزئية كما سأوضح. 

فقد استعرضنا فى المقالات السابقة الفكر المتطرف الذي ينتقل بالتدريج من قضية التكفير والحاكمية إلى قضية الجاهلية إلى الولاء والبراء، الفرقة الناجية، وفى قضية الولاء والبراء يهدم قضية الأوطان بكل ما يتعلق بها من جلال ونورانية وشرف ومكانة رفيعة فى الشرع الشريف، إلى أن يصل إلى قضية الاستعلاء بالإيمان إلى حتمية الصدام. 

تتفرع من هنا إشكاليات جزئية أجهزت عليها تلك التيارات لعداوة فى نفوسهم وغضاضة فى نفوسهم تجاه الجيش المصري، الذي يمثل حجرًا صلبًا تحطمت عليه مشاريع عند هؤلاء، فصارت فى نفوسهم عداوة تجاهه، فليس عندهم قابلية لثبوت أي فضيلة أو مزية دينية للجيش المصري.

وعلى مدى أربعة عشر قرنًا من تاريخ الإسلام، من أيام سيدنا عمر بن الخطاب الذي سمع الحديث من الجناب النبوي، إلى سيدنا عمرو بن العاص الذي ألقاه فى خطبة عصماء فى مصر، إلى سلسلة الرواة، إلى المصنفين من أئمة الحديث، إلى نقاد الحديث ونقاد الرجال وأئمة الجرح والتعديل، إلى المؤرخين والحفاظ والفقهاء والنقاد، فقد تداول هؤلاء الحديث الشريف دون نكير أو تعرض له بالبطلان أو رمي له بالكذب والافتراء، بل احتجوا به وانطلقوا منه وبنوا عليه واستنبطوا من الخطبة التي وقع فيها هذا الحديث. 

ولذلك سيأتي تحدٍّ لهؤلاء، أنه من بين كل ما كُتب من المؤلفات فى التنصيص على الأحاديث الموضوعة والمكذوبة والباطلة والمفتراة على الجناب النبوي، لم يأتِ إمامٌ قط ممن تصدّى لهذا وذكر هذا الحديث أو وصفه بالوضع أو بالبطلان أو حتى وصفه بالضعف، فهذا الأمر مخترع عند هذه الطائفة، لم يسبق قط لإمام أو حافظ أو محدِّث أن صرح أبدًا لا بالتكذيب ولا بالبطلان ولا بالوهاء ولا بالنكرة. 

اقرأ أيضًا: مصرُ فى القرآن الكريم - أرض البركة والأنبياء 1

والسلفية تزعم مسألة التضعيف أو رمي هذا الحديث الشريف بالضعف؛ لخلل منهجي ضخم فى طريقة دراستهم للحديث، تلك الطريقة المعوجَّة فى قراءة الحديث الشريف وفى كيفية ممارسة مسائله، مما دفعهم إلى الوقوف موقف الحيرة من بعض الرواة، والجنوح إلى التضعيف، لأن مشربهم قد انبنى من الألباني، ومن جاء على نسقه ومشربه على فكرة الاكتفاء بالحديث الصحيح، فصار متشددًا فى قضية تضعيف الأحاديث، مسارعًا إليها ميّالًا لها يجنح إليها لأدنى مناسبة. 

أضف إلى ذلك أنه رفض الأحاديث الضعاف التي لها شواهد تقويها، فتعرض لسنن الترمذي وأخرج ضعيف سنن الترمذي، ثم قال: إن كل ضعيف يُرمى ويُلقى هذا الخلل المنهجي له أخطار، وتترتب عليه آثار فادحة، ليس هذا بمجال الإطالة فيها، لكن هناك خلل منهجي لم يسبق له مثيل مما درج عليه الحفاظ والنقاد والمحدِّثون من طرق دراسة الحديث الشريف ونقده ومعايير قبوله. 

وهذا الخلل المنهجي على مدار الثمانين سنة الماضية، يوازي الخلل الذي جاء به الإخوان حينما رحَّلوا مسألة الحكم من الفروع وأدرجوها فى الأصول، فانطلقت مقولة التكفير فيلتقي هذان التياران لحاجة فى نفس يعقوب. 

وقد التقى الهوى عند الإخوان، وعند السلفية، وعند شريحة من العلمانيين، وهذا ما أدهشني، أن يكون الإخواني هواه مع السلفي، وبينهما عداوة عميقة، ثم يلتقي العلماني المتبرئ أصلًا من الفكر الديني، ويشطح فى موجة من التطرف العلماني، كما يذكر بعض الكُتّاب عن نفسه، ويقدّم نفسه بأنه كاتب علماني حر، ويبني على كلام تيارات السلفية، ولا يريد أي مسلك قد يثبت به هذا الحديث الذي هو سند لمؤسسات بلده، يمدُّ رجال الجيش المصري، بمعنويات عالية، ويؤدي بهم إلى أداء رفيع فى الدفاع عن وطنهم. 

والعجب أنه لا يوجد بلد فى العالم لجيش بلدها مثل هذه الإشادة النبوية والمكرمة النبوية، ثم يتسلط أدعياء العلم على تجريد جيش بلدهم من هذه المكرمة الثابتة بمعايير أهل العلم. 

وأحب أن أوضح أن القضية فى تضعيف هذا الحديث عند تلك التيارات بدأت بقول مخترع بأن الحديث باطل، ثم تطور إلى القول بأنه باطل ومكذوب ولا يصح، ثم تحولت بعد ذلك إلى رمي الجيش المصري بأنه محتل لمصر، ثم الانتقال إلى تكفير هذا الجيش، ثم الانتقال إلى دعوة الناس لرفع السلاح ضد هذه الجيش. 

يضاف إلى هذا عشرات من الكتيبات التي تنشرها التشكيلات الداعشية فى الشام وفى العراق وفى أماكن مختلفة، من تهجُّمٍ على الجيش المصري ووصفه بجيش الطواغيت، وإطلاق مقولة التكفير فيه، والدعوة إلى استهداف عناصره.

والعجيب أن الأستاذ "سامح عسكر" الذي يُعرِّف نفسه بأنه كاتب علماني حر، تلتقي علمانيته مع تيارات السلفية والإخوان والدواعش فى مقاله: "أكذوبة حديث خير أجناد الأرض"، فيبدأن مقاله بأن الحديث ضعيف السند ويبني مقاله على عشر حيثيات، بنى فيها كلامه على كلام السلفية. 
ولذلك النتيجة التي وصلت إليها أن هذا الفكر العلماني المتطرف، وهذا الفكر الديني المتطرف، وجهان لعملة واحدة، يصلان فى النهاية إلى نفس النتيجة. 

وقد بدأ التشكيك فى هذا الحديث مؤخرًا فى الأزمات العاصفة التي اجتاحت المنطقة من بعض الربيع العربي، وسنبين فى المقالات القادمة مسالك ثبوت هذا الحديث، وإلى لقاء قادم بإذن الله تعالى.