الحق المبين

مصر في القرآن الكريم - أرض البركة والأنبياء 2

د. اسامة الازهري
د. اسامة الازهري

بقلم/ د. أسامة الازهري

فى زمنٍ تتشابك فيه المفاهيم، وتتداخل فيه الأصوات بين الحق والباطل، جاء مشروع «الحق المبين»؛ الذي تم من خلاله تحويل كتاب «الحق المبين فى الرد على من تلاعب بالدين» إلى مقالات يتم نشرها تباعًا بجريدة «اللواء الإسلامى» الغراء؛ ولم يكن الدافع من ورائها رغبةٌ فى الجدل أو الدخول فى سجالات فكرية، بل كان ذلك قيامًا بواجبٍ دينيٍّ ووطنيٍّ موزونٍ بميزان العلم، ومعروضٍ على موازين الحكمة، والمنطق، والفكر الرصين؛ ليكون منارةً لتصحيح المسار، وحائطَ صدٍّ أمام تيارات التطرف التي عبثت بالنصوص الشرعية، وشوَّهت صورة الدين، وأساءت إلى قيمه العليا.

حين يقرأ الإنسان تاريخ مصر فى ضوء القرآن الكريم وتراث علماء الإسلام، يكتشف أن الحديث عن مصر لم يكن يومًا حديثًا عن حدودٍ جغرافية أو رقعةٍ من الأرض فحسب، بل حديثًا عن معنى حضاري وإنساني عميق ارتبط بالنبوة والعلم والعمران، فهذه الأرض التي احتضنت مسيرة عدد كبير من الأنبياء، وخلَّد القرآن الكريم أحداثًا كبرى جرت على ترابها، لم تتوقف خصوصيتها عند حدود المكان، بل امتدت إلى الإنسان الذي عاش عليها، فصنع الحضارة، وأبدع فى العلم، وشيَّد العمران، وترك أثرًا ممتدًا فى التاريخ الإنساني.

اقرأ أيضًا: مصرُ فى القرآن الكريم - أرض البركة والأنبياء 1

ومن هنا وقف علماء الإسلام والمؤرخون والمفسرون طويلًا أمام دلالات هذا الحضور المصري الكثيف فى القرآن الكريم، محاولين فهم ما تحمله هذه الإشارات من معاني البركة والتميُّز والخصوصية.

وإذا كانت البركة حول المسجد الأقصى بركةَ مكان، وكانت البركة حول جبل طور سيناء بركةَ إنسان، فإن وادي مصر، وأرض سيناء، وشعب مصر، ووادي النيل، كل ذلك يشهد، بحسب الواقع والتاريخ، أن هذه الأرض امتازت منذ أقدم العصور، وقبل أن تبدع البشرية فى كثير من منجزاتها؛ وكأن الإنسان الذي ينشأ فى هذا المكان على وجه الخصوص قد أُودعت فيه مسحةٌ من الإبداع، ونصيبٌ من العطاء الإلهي.

ومن هنا تبقى فى القرآن الكريم إشاراتٌ إلى هذا البلد، ينبغي أن تُوقَّر، وأن تُصان دلالتها، وأن تمثل سياجًا معنويًّا يحمي هذا الوطن من اتهامات التكفير والعدوان التي ظهرت عند «محمد عبد السلام فرج» فى كتابه «الفريضة الغائبة»، وظهرت عند «رفاعي طه» فى كتابه عن الجهاد، وعند سيد إمام، وفى تهديدات داعش، وفى بعض خطابات جماعة الإخوان، وفى كلمات وشتائم خرجت فى السنوات الماضية.

بل وُجد ذلك عند «سيد قطب» حين يتحدث عن مهاجمة القناطر لإغراق الدلتا؛ تخفيفًا للضغط عن الإخوان؛ فهانت عنده مصر، واستهان بأرواح الملايين، وتجرأ على العبث بهذا البلد وأهله، ثم تجاوز الأمر إلى التكفير والطعن فى شعبها، وهو ما لا يمثل عدوانًا على البشر وحدهم، بل تجاوزًا لدلالات الوحي نفسه، التي ينبغي أن تُحترم وتُصان.

ولقد استقرأتُ كلام علماء الإسلام حول الهرم، بدءًا من كتاب "أنوار علوي الأجرام فى أخبار الأهرام" للشريف الإدريسي، وهو كتاب مطبوع وموجود، وهو من أعجب ما يمكن أن يراه الإنسان فى فهم علماء الإسلام ونظرتهم إلى الهرم الأكبر وإجلالهم لهذا الأثر العظيم، ثم جاء الإمام السيوطي بعد ذلك فألف كتابه "تحفة الكرام فى خبر الأهرام".

وهناك كتاب "الإفادة والاعتبار" للعلامة الكبير عبد اللطيف البغدادي، وهو من علماء بغداد، ولذلك عُرف بالبغدادي، ومن المفارقات اللافتة أنه تناول الهرم من منظور هندسي وفلسفى عميق، فى الوقت الذي خرج فيه الإرهابي أبو بكر البغدادي الداعشي مهددًا بتدمير الهرم وأبي الهول.

وقد كتبتُ من قبل مقالاً فى جريدة الأهرام بعنوان: «بغدادي الرحمة وبغدادي الإرهاب»، وقلت فيه: شتان بين الرجلين، وإن جمعهما الاسم.

لقد جاء الإمام عبد اللطيف البغدادي إلى مصر فى أوائل الدولة الأيوبية، فى حدود سنة 600هـ، أي قبل نحو تسعمائة عام، ومن عجائب سيرته، كما يروي عن نفسه، أنه جلس للتدريس فى الجامع الأزهر الشريف، بما يعني أنه كان من علماء الأزهر، ومن علماء الشريعة، وهو ما يمثل نموذجًا مبكرًا لجمع علماء الأزهر بين علوم الشريعة وعلوم الواقع.

فقد كان هذا الإمام متمكنًا فى علوم الشريعة، كما كان بارعًا فى الطب والتشريح والهندسة، حتى إنه حين يصف التماثيل والآثار القديمة، فإن أكثر ما يدهشه فيها هو النسبة والتناسب؛ إذ يقول، فى معنى كلامه: إن المصري القديم إذا صنع تمثالًا أو هرمًا بالغ الضخامة، ظلت مقادير الشفاه والأنف والأذن والذراع متناسقةً تمامًا مع أبعاد الجسد، بنفس النسب الدقيقة التي تراها فى الإنسان الطبيعي، وكأن هذا البناء قد أُنجز بعين خبيرٍ وفنانٍ ومهندسٍ بالغ الإحكام.

ويقول فى كتابه عن الهرم: «وقد سُلك فى بناية الأهرام طريقٌ عجيب من الشكل والإتقان؛ ولذلك صبرت على مرِّ الزمان، بل كأن الزمان هو الذي صبر عليها. فإنك إذا تأملتها وجدت الأذهان الشريفة قد استُفرغت فيها، والعقول الصافية قد أُفرغ عليها مجهودها، والأنفس النيِّرة قد أفاضت عليها أشرف ما عندها، والملكات الهندسية قد أخرجتها إلى الفعل غايةَ إمكانها؛ حتى إنها تكادتُحدِّث عن قومها، وتُخبر بحالهم، وتنطق عن علومهم وأذهانهم، وتترجم عن سيرهم وأخبارهم».

ثم يقول عن مدينة الجيزة «منف» وما فيها من المعابد والآثار والعجائب: «فهذه المدينة، مع سعتها، وتقادم عهدها، وتداول الأمم والملل عليها، وما أصاب آثارها من محوٍ وتشويهٍ ونقلٍ لحجارتها، وما فعلته بها القرون الطويلة، تجد فيها من العجائب ما يفوت فهم المتأمل، ويحسر دونه وصف البليغ، وكلما زدتها تأملاً زادتك عجبًا، وكلما زدتها نظرًا زادتك طربًا، ومهما استنبطت منها معنى أنبأتك بما هو أغرب، ومهما استثرت منها علمًا دلَّتك على أن وراءه ما هو أعظم.

ومن أعجب ما ذكره هذا الإمام عن الهرم أنه كان، فى زمانه قبل نحو ثمانمائة سنة، مغطى بالنقوش والكتابات، أي إن الهرم الأكبر لم يكن على الهيئة التي نراها اليوم، بل كان أشبه بخزائن علمٍ وحكمة. حتى إن الإمام عبد اللطيف البغدادي يقول: «وهذه الكتابات كثيرة جدًا، حتى لو نُقل ما على الهرمين فقط إلى صحف، لبلغ زهاء عشرة آلاف صحيفة».

إنها فى نظره بقايا الحكمة الأولى، وبقايا علوم أولئك القوم؛ لأن البركة فى هذا البلد، كما يبدو من مسيرته الحضارية، هي بركة الإنسان، هكذا أرادها الله.

ورفاعة الطهطاوي، العالم الأزهري الجليل، يقول فى ديوانه: ولئن حلفتُ بأن مصرَ لجنةٌ، وقطوفُها للفائزين دوانِ،والنيلُ كوثرُها الشهيُّ شرابُه، لأبرُّ كلَّ البرِّ فى أيماني.

قد تشرب من والده هذا النفس الشريف فى حب الوطن ومعرفة قيمة مصر، حتى إنه سمى ديوانه: "قدوة الفرع بأصله فى حب الوطن وأهله"، هكذا عاشوا معنى الانتماء الصادق للوطن.

وفى المقابل، نسمع بعض رموز تيارات التطرف وهم يدعون قوى الأرض جميعًا، من مجلس الأمن إلى الأمم المتحدة، إلى التدخل فى هذا البلد، وانتهاك حرمته، والعدوان عليه.

وعودٌ على بدء؛ للتذكير بما أصفه من أن مصر تمثل فى نفوس هؤلاء عُقدةً حقيقية. وأقول للجميع: عليكم ببرِّ أوطانكم جميعًا، وليكن كلُّ واحدٍ منكم، فى أي بقعة من بقاع الأرض، شديد البرِّ بوطنه الذي نشأ فيه، واعرفوا جميعًا قدر مصر من بين الأوطان، لا تعصبًا لمصريتي، وإنما لأن أئمة الإسلام عبر التاريخ نطقوا بذلك، وعرفوا لهذه البقعة فضلها ومكانتها، واحذروا كل فكرٍ متطرفٍ تكفيريٍّ يحمل فى نفسه ضيقًا من هذا الوطن، أو يسعى إلى التحريض عليه، أو يدعو العالم إلى انتهاك حرمته والعدوان عليه. وإلى لقاء قادمٍ بإذن الله تعالى.