بقلم: د م. نرمين محمد عبدالغفور
المدرس بكلية الهندسة جامعة طنطا
لقد تربينا في المجتمع المصرى منذ العصور القديمة بأن المشاعر الإنسانية شيء مقدس واجب الاحترام من الجميع، و قد برز مفهوم جميل للرقى فى المعاملات البشرية حيث حب الخير و السلام لكافة البشر على حد سواء ؛ فتجد البيوت مشبعة بحكايات أصحابها و تتنسم هواءً عليلاً محملاً بذكريات سعيدة بمجرد دخولك من باب البيت و تجد ضحكات الأطفال تعم كافة أرجاء المكان حيث اللعب و اللهو.
لكن مع التقدم التكنولوجي فى العصر الحديث، لم يقف التطور على الأجهزة و البرمجيات فقط بل امتدّ نحو زيف المشاعر و ابتكار الحيل لاستغلال مشاعر البشر، فتحولت تلك المشاعر إلى لعبة يتلاعب بها البعض طمعاً فى اجتذاب عطف البشر، و الأسوأ من يؤلف دراما كاذبة وليدة مخيلته المريضة وصولاً لمصلحة شخصية.
و لهذا فقد شارفت تلك المشاعر النبيلة بما تحمله من صدق فى الأحاسيس على الاندثار داخل بعض المجتمعات حول العالم بما يعكس حقيقة الآثار السلبية للتكنولوجيا على العلاقات الإنسانية جراء الإفراط فى الاستخدام الأعمى للأدوات التكنولوجية دون وعى داخل بعض المجتمعات.
لقد أصبح الحب فى هذه المجتمعات مجرد رسالة إلكترونية و تجردت المشاركة فى الأفراح من معانى البهجة لتصبح صورة تُنشر على مواقع التواصل الاجتماعي لتنال إعجاب الناس حتى تأدية واجب العزاء لم يسلم من التطور العصرى الذى نشهده جميعاً، فالعزاء اليوم ما هو سوى تعليق على أحد المنشورات بمواقع التواصل الاجتماعي.
لكن أين التجمعات العائلية التى تشمل الصغير و الكبير فى كل مناسبة اجتماعية؟ أين الطفولة الحقيقية؟
إن البعض الآن لا يرى سوى أطفال مبرمجين بجهاز إلكتروني لا يتركونه أبداً و تكاد أعين الصغار تلتصق بتلك الأجهزة ليلاً نهاراً، لقد أصبحنا نعيش ثورة تكنولوجية تدفع رواد مواقع التواصل الاجتماعي نحو نفق مظلم يمتص تدريجياً أجمل ما فينا من مشاعر صادقة و لهفة اللقاءات و دفء اجتماعات العائلة حيث السؤال عن بعضنا البعض بين فترة و أخرى.
لقد نجحت التكنولوجيا فى إبعاد البشر عن عالم حقيقى يعيشونه، و جعلتهم بكل ذكاء يندمجون فى عالم وهمى، كل شيء فيه قد يحمل الكثير من المعانى المتضاربة.
و لكن يبقى السؤال الأهم يدور فى أذهاننا: هل سنستسلم للتكنولوجيا لتتحكم بنا أم نعود أدراجنا لنتعلم من الزمن القديم و نعيش الواقع بكل تفاصيله؟



