بقلم : د. حمدي ابراهيم عامر
من روائع التشريع الإسلامي أنه لم يقتصر على تنظيم علاقة الإنسان بربه، بل امتد ليهذب علاقته بالناس وبالمكان الذي يعيش فيه. ومن أعظم صور هذا التنظيم ما جاء في حق الطريق؛ فالطريق في الإسلام ليس مجرد مساحة يعبرها الإنسان، بل هو ميدان تظهر فيه حقيقة الأخلاق، ومرآة تعكس مستوى وعي الأمة ورقيها.
اقرأ أيضا| النصوص الشرعية بين الفهم الصحيح و خطأ التأويل
لقد أدرك النبي ﷺ أن الأماكن العامة تحتاج إلى ضوابط تحفظ للناس أمنهم وكرامتهم، ولذلك لما رأى بعض الصحابة يجلسون في الطرقات قال لهم: «إياكم والجلوس على الطرقات»، فلما بينوا حاجتهم إلى المجالس قال ﷺ: «فإذا أبيتم إلا المجالس فأعطوا الطريق حقه». وهذا التوجيه النبوي يكشف عن منهج إسلامي عظيم؛ فليس المقصود مجرد منع الإنسان من الجلوس، وإنما حماية المجتمع من كل سلوك يسبب ضررًا أو انتهاكًا لحقوق الآخرين.
وقد جمع النبي ﷺ حقوق الطريق في خصال عظيمة، منها غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وهذه الحقوق ليست خاصة بمن يجلس في الطريق فقط، بل تشمل كل من يستخدم هذا المرفق العام؛ لأن الطريق ملك مشترك، وحرمة الناس فيه كحرمة بيوتهم.
فغض البصر يمثل أدبًا إيمانيًا يحفظ للإنسان قلبه ويصون للمجتمع طهارته؛إذ إن كثيرًا من الفتن تبدأ من نظرة لا يراقب صاحبها الله فيها. وقد أمر القرآن الكريم المؤمنين بغض الأبصار؛لأن العين باب القلب، وما يدخل منها قد يؤثر في سلوك الإنسان وأخلاقه.
أما كف الأذى عن الطريق فهو من أعظم مظاهر الإيمان، ولذلك جعل النبي ﷺ إماطة الأذى عن الطريق شعبة من شعب الإيمان.
ويشمل ذلك كل ضرر يصيب الناس؛ من إلقاء القاذورات، أو تعطيل المرور، أو القيادة المتهورة، أو رفع الأصوات بما يؤذي الآخرين، أو احتلال الأماكن العامة بطريقة تمنع الناس من الانتفاع بها.
فالمسلم الحقيقي لا يسأل فقط: ماذا أريد؟ بل يسأل أيضًا: هل يضر ما أفعله غيري؟
ومن جمال هذا الدين أنه لم يكتف بمنع الضرر، بل دعا إلى صناعة الخير؛ فجعل رد السلام، وإرشاد الضال، ومساعدة المحتاج، والأمر بالمعروف من حقوق الطريق. فوجود المسلم في المجتمع ليس وجودًا سلبيًا، بل هو وجود نافع يضيف الأمن والرحمة والتعاون.



