النصوص الشرعية بين الفهم الصحيح و خطأ التأويل

د. حمدي ابراهيم عامر 
د. حمدي ابراهيم عامر 

بقلم : د. حمدي ابراهيم عامر 
تُعدّ النصوص الشرعية في الإسلام قرآنًا وسنّة  المصدرَ الأساس للتشريع والهداية، وهي الإطار الذي يضبط حياة الإنسان عقيدةً وسلوكًا ومعاملةً. غير أن الإشكال لا يكمن في النص ذاته، إذ هو وحيٌ إلهي معصوم، وإنما في كيفية فهمه وتنزيله على الواقع. ومن هنا نشأت الفجوة بين الفهم الصحيح للنصوص، الذي يحقق مقاصد الشريعة، وخطأ  التأويل الذي قد يؤدي إلى الانحراف والتطرف.

إن الفهم الصحيح للنصوص الشرعية يقوم على جملة من الضوابط العلمية والمنهجية، أبرزها الجمع بين النصوص، والنظر في أسباب النزول أو الورود، وفهم اللغة والسياق، والرجوع إلى مقاصد الشريعة الكلية التي تقوم على حفظ الدين والنفس والعقل والمال والعرض. فالنص لا يُفهم بمعزل عن غيره، ولا يُفسَّر تفسيرًا حرفيًا جامدًا يُغفل روحه ومقاصده، ولهذا أكد العلماء أن الشريعة قائمة على العدل والرحمة والمصلحة، وأن أي فهم يفضي إلى غير ذلك هو فهم مختل، ولو استند ظاهريًا إلى نص.

كما أن العقل في الإسلام ليس معارضًا للنقل، بل هو أداة لفهمه واستنباط دلالاته. فالتدبر الذي دعا إليه القرآن ليس مجرد قراءة سطحية، بل هو عملية فكرية عميقة تستهدف إدراك الحكمة الإلهية من التشريع. ومن هنا كان الاجتهاد ضرورة مستمرة لمواكبة النوازل والمتغيرات، شريطة أن يكون منضبطًا بأصول العلم وقواعده.

في المقابل، يظهر سوء التأويل حين يُنزَع النص من سياقه، أو يُفهم بمعزل عن مقاصده، أو يُستعمل لتبرير أهواء أو توجهات مسبقة. وهذا النمط من الفهم كان سببًا في ظهور تيارات الغلو والتكفير عبر التاريخ، بدءًا من الخوارج الذين كفّروا المسلمين واستباحوا دماءهم، وصولًا إلى بعض الجماعات المعاصرة التي تتبنى خطابًا متشددًا يفتقر إلى العمق العلمي.

ومن أبرز أسباب سوء التأويل الجهلُ المركب، حيث يظنّ الإنسان أنه على علم وهو في الحقيقة يفتقر إلى أبسط أدوات الفهم. وهذا النوع من الجهل أخطر من الجهل البسيط؛ لأنه يغلق باب التعلم ويغذي التعصب.

 كما أن التعصب الفكري والانتماء الأعمى لجماعة أو تيار يجعل النص يُؤوَّل لخدمة الموقف المسبق، لا لاكتشاف الحق. ويضاف إلى ذلك حداثة السن وقلة الخبرة، مما يجعل بعض الشباب عرضة للتأثر بالأفكار المتطرفة دون تمحيص.

ومن العوامل الخطيرة كذلك انتشار الفتاوى بغير علم، خاصة في عصر الإعلام المفتوح، حيث أصبح كل من يمتلك منبرًا قادرًا على التأثير في الناس دون رقابة علمية. وهذا يؤدي إلى تشويه المفاهيم الدينية، وإضفاء الشرعية على ممارسات خاطئة، قد تصل إلى حد العنف والإرهاب.

ولا تقف آثار  خطأ  التأويل عند حدود الفكر، بل تمتد إلى الواقع العملي، فتؤدي إلى زعزعة الأمن، ونشر الفوضى، واستباحة الدماء، وتمزيق وحدة المجتمع. إذ يتحول النص – الذي جاء رحمةً للعالمين – إلى أداة للعنف والإقصاء، في مفارقة خطيرة تعكس عمق الخلل في الفهم.

ولمواجهة هذه الظاهرة، لا بد من تبني مقاربة شاملة تبدأ بتعزيز المنهج الوسطي القائم على الفهم المتوازن للنصوص. كما ينبغي تمكين العلماء المتخصصين من أداء دورهم في التوجيه والإرشاد، ومواجهة الخطاب المتطرف بالحجة والبيان.

كذلك تلعب الأسرة دورًا محوريًا في تنشئة الأبناء على التفكير النقدي، واختيار الصحبة الصالحة، وغرس قيم الاعتدال.

ومن المهم أيضًا توظيف وسائل الإعلام والتقنية الحديثة لنشر الوعي الصحيح، وتقديم نماذج إيجابية للفهم الوسطي، بدلًا من ترك الساحة للأصوات المتشددة، مع سنّ القوانين التي تردع الفكر المتطرف، وتحمي المجتمع من آثاره.

ومن هنا فإن النصوص الشرعية تظل منبع الهداية والنور، لكن الاستفادة منها مرهونة بحسن الفهم وسلامة التأويل. فكلما اقتربنا من روح الشريعة ومقاصدها، تحقق لنا الأمن الفكري والاجتماعي، وساهمنا في بناء مجتمع متماسك يسوده العدل والرحمة. أما إذا أُسيء فهم النصوص، فإنها تتحول  في أيدي الجهال  إلى معاول هدم بدل أن تكون أدوات بناء، وهنا تكمن خطورة المرحلة وأهمية الوعي.
 

 

ترشيحاتنا