بقلم: د. شعبان عبد الجيد
في أوائل سنة 1962 كان الدكتور ثروت عكاشة وزيرًا للثقافة والإرشاد القومي، وفكّر الرجل، وهو من كبار الكُتّاب والمترجمين، في أن يُصدر سلسلة ثقافية زهيدة الثمن، تقدّم معرفة رصينة، وتضع الكتاب في خدمة كافة مستويات القراء، متعلمين ومثقفين، وتحقق ما يمكن تسميته بشعبية الثقافة. أيامها كان الشعار الذي ينادي بأن الثقافة للشعب مقترنًا على الدوام بأن حق الشعب هو أن يحصل على الثقافة الرفيعة في صورة مبسطة، وبأسعار زهيدة في متناول قدرته.
وكانت سلسلة (أعلام العرب)، التي كانت تصدر شهريًّا وتباع بخمسة قروش، خير مثال على ذلك.
كان العدد الأول من هذه السلسلة هو كتاب (محمد عبده: عبقري الإصلاح والتعليم) للأستاذ عباس محمود العقاد، وقدّم له الدكتور ثروت عكاشة بكلمة قصيرة قال فيها إن الناس في هذا القرن قد شُغفوا بقراءة السير؛ فهي تحررهم حين يقرؤونها من حدود الزمن، وتعيدهم إلى الماضي، يستمدون منه العبرة، ويتزودون منه بالعظات، فتتصل بذلك حلقات الإنسانية ولا تنقطع.
أقرأ أيضا : رأيُ الرافعيِّ في الإسراءِ والمعراج!
وأشار الدكتور عكاشة إلى أن العرب لهم نصيب كبير في الحضارة الإنسانية، وأن التاريخ العربي زاخر بالأمجاد، حافل بالأعلام في كل فرع من فروع المعرفة، وفي كل ميدان من ميادين الحياة.
وما أحوجنا إلى دراسة هؤلاء الأعلام، والترجمة لكل منهم في كتاب يؤلفه كاتب من المتخصصين، يعرض فيه سيرته ويحللها، ويصف عصره ووقائع حياته، ويبرز شخصيته، ويبين آثاره وفضله على التقدم الإنساني.
كان كتاب الأستاذ العقاد عن "محمد عبده" أول نموذج لهذه الخطة التي انتهجها من بعد مؤلفو هذه السلسلة جميعًا، على تفاوت يسير بينهم، ومن هنا بدأه بفصل عن عصر اليقظة، يليه فصل عن حياة القرية المصرية في ذلك العصر، يليه فصل عن الجامع الأزهر فيما اتصلت به حياة القرية من رسالته الفكرية والاجتماعية؛ لأنه يفضي من كل تاريخ من هذه التواريخ الثلاثة إلى تاريخ صاحب السيرة الذي يراه العقاد أعظم من أنجبته القرية ونهض برسالة الأزهر في عصره.
وكما فعل في كل التراجم التي قدّمها لأعلام التاريخ الإنساني، بسط المؤلف سيرة الأستاذ الإمام (1849 ـ 1905)، بقلم محب معجب، على ما كان يتحراه من سير العظماء جميعًا، صورة نفسية تعنيه منها حوادث الزمن ومواقع الأمكنة وأرقام السنين، بمقدار ما تمثله من ملامح الصورة ومعالم الحياة التي تصوّرها.
وذكر العقاد أنه سيبلغ مقصده من هذه الصفحات إذا جلا بها صورة يلتفت إليها طلاب القدوة الحسنة من أبناء هذا الجيل، فيجدون أمام أعينهم ـ محمد عبده ـ إمامًا هو أولى أئمة العصر أن يأتم به المقتدي فيما اضطلع به من أمانة العقيدة، وأمانة الفكر، وأمانة الخير، وأمانة الحق، وأمانة الإخلاص للخلق والخالق، في كل ما يتولاه الإنسان ـ الجدير باسم الإنسان ـ من نية وعمل، ومن سر وعلانية.
وقد عرض الأستاذ العقاد في كتابه لقرية "محلة نصر" التي وُلد ونشأ فيها محمد عبده، وقال إنها قرية موصولة بتاريخ القطر المصري كله، ووصفها بأنها ذات كيان اجتماعي مكين، يتمثل فيه أحداث العهود، ويحس أهلها فيه طوارئ الزمن من عهد إلى عهد، بل من ولاية إلى ولاية.
ثم تحدث عن أسرة الأستاذ الإمام ومحور حياته، وذهب إلى أن النخوة الإنسانية في نطاقها الواسع هي محور هذه الحياة في نواحيها الكثيرة، وأن رسالة التعليم عنده إنما كانت في صميمها رسالة خلقية قبل أن تتجه إلى وجهتها الفكرية، فلم يكن يعنيه أن يُعلّم لينقل إلى الناس "معلومات" يجهلونها وكفى، ولكنه كان يُعلّم ليحفّز الناس إلى عمل يتوانون عنه، ويحملهم على خلق يحبّب إليهم ذلك العمل ويساعدهم عليه.
وفصّل العقاد بعد ذلك صحبة الأستاذ الإمام لجمال الدين الأفغاني، وبيّن أن لقاءه به هو أهم حادث في تربيته؛ لأنه ردّه إلى سجيته وأقامه على جادة العلم والعمل التي استقام عليها بعد ذلك طول حياته، ودلّل على ذلك بقول محمد عبده نفسه عن أستاذه: إن ميراثه منه أقدس من ميراثه الأبوي، لأنه ميراث في الروح، يجمعه بصفوة الرسل والقديسين.
ثم تحدث عن موقف محمد عبده من الثورة العرابية، وبيّن أنه كان ثائرًا ولكنه لم يكن عرابيًّا، لأنه كان على خلاف مع الزعيم أحمد عرابي في برنامجه العملي، ولم يجمع العزم على تأييد العرابيين إلا لتوحيد الصفوف في وجه الاحتلال الأجنبي، بعد التجاء الخديو توفيق إلى الدولة البريطانية.
كما تناول دوره الكبير في إصلاح الأزهر، والارتقاء بأحوال طلبته ومشايخه، وسعيه لإقرار تدريس العلوم الحديثة فيه، وكيف انتهى به ذلك إلى أن يكون رجلًا مغضوبًا عليه لأنه مصاب بداء الإصلاح. وفصّل القول في علاقته بعباس الثاني، وإعجابه بجرأته وجهاده للأخذ بناصية الحكم والحد من تدخل الإنجليز.
وكان آخر فصول هذا الكتاب عن "محمد عبده: المحسن المعلم"، الذي كان الإحسان إلى المعوزين والضعفاء أول صفة من صفاته، حتى وهو فقير في منفاه لا مورد له غير مرتّبه من عمله.
لم يخامره الشعور بالحاجة يومًا ليطلب الغنى بما تملكه الأيدي ويُحفَظ في صكوك المواريث.



