بقلم: د. شعبان عبد الجيد
على كثرة ما قرأت عن الإسراء والمعراج للقدماء والمحدَثين، كان للمقال الذي نشره الأستاذ مصطفى صادق الرافعي في (مجلة الرسالة، 4 نوفمبر 1935)، ويجده القارئ في الجزء الثاني من وحي القلم، وقعٌ مختلفٌ في نفسي. والرجل صاحب طريقة بيانية فذّة، قلَّ في الأدب العربي كله مثالُها، وعزَّ نظيرُها. ولقد كان، كما يقول عنه الأستاذ أحمد حسن الزيات، يحمل الفكرة في ذهنه أيامًا، يعاودها في خلالها الساعة بعد الساعة بالتقليب والتنقيب والملاحظة والتأمُّل، حتى تتشعب في خياله وتتكاثر في خاطره؛ ويكون هو لكثرة النظر والإجالة قد سما في فهمها على الذكاء المألوف. فإذا أراد أن يعطيَها الصورة ويكسوَها اللفظ، جلَّاها على الوضع الماثل في ذهنه، وأدَّاها بالإيجاز الغالب على فنِّه؛ فتأتي في بعض المواضع غامضةً ملتوية، وهو يحسبها واضحةً في نفسِك وضوحَها في نفسه.
إن الرافعيَّ من ذلك الفريق من المنشئين الذين يطيلون النظر، ويديمون الفكر، ويعمِّقون البحث، حتى تنقطع الصلة بين عقولهم وعقل القارئ، وتتسع الألفاظُ بين معانيهم وألفاظ اللغة؛ فيكتبون وأفهامهم سابقة سبوق الروح، وأقلامهم متخلفة تخلُّف الجسم. وهو، على الإجمال، كان يقتصد في أسلوبه؛ لأنه ينفق عليه من جهده، ومن ذوقه، ومن فنِّه ما يجعله أشبه بومضات الروح، ونبضات القلب، ونفحات العافية. فإذا روَّى فيه الناقد المتذوِّق، انكشف له في كل كلمة سرٌّ، وطالعته في كل فقرة آية. ولعل مقاله عن (الإسراء والمعراج) نموذجٌ لأسلوبه في رصف العبارة، ومثالٌ لطريقته في صوغ المعاني.
كان الرافعي يرى أن قصة الإسراء والمعراج هي من خصائص نبينا محمدٍ صلى الله عليه وسلم: «هذا النجم الإنساني العظيم، وهذا النور المتجسِّد لهداية العالم في خيرة ظلماته النفسية؛ فإن سماء الإنسان تظلِم وتضيء من داخله بأغراضه ومعانيه». وقد حاول بهذا الفهم أن يبدد حيرة المفسرين في حكمة ذكر «الليل» في آية الإسراء: «سبحان الذي أسرى بعبده ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى»، وقال إن الحكمة هي الإشارة إلى أن القصة قصة النجم الإنساني العظيم، الذي تحوَّل من إنسانيته إلى نوره السماوي في هذه المعجزة. ويُتمِّمُ هذه العجيبة أن آيات «المعراج» لم تجئ إلا في سورة «النجم».
ولا يكاد عجب الرافعي ينقضي من قوله تعالى: «لنريه من آياتنا الكبرى»، مع أن الألفاظ، كما ترى، مكشوفةٌ واضحة، يُخيَّل إليك أن ليس وراءها شيء، ووراءها السرُّ الأكبر؛ فإنها بهذه العبارة نصٌّ على إشراف النبي صلى الله عليه وسلم فوق الزمان والمكان، يرى بغير حجاب الحواس، مما مرجعه إلى قدرة الله لا قدرة نفسِه، بخلاف ما لو كانت العبارة: (ليرى من آياتنا)، فإن هذا يجعله لنفسه في حدود قوتها وحواسها وزمانها ومكانها، فيضطرب الكلام، ويتطرَّق إليه الاعتراض، ولا تكون ثمَّ معجزة.
وينتهي الرافعيُّ من ذلك إلى أنه إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم نجمًا إنسانيًّا في نوره، فلن يأتي هذا إلا من غلَبة روحانيته على مادته؛ وإذا غلبت روحانيته كانت قوته النفسية مهيَّأةً في الدنيا لمثل حالتها في الأخرى؛ فهو في هذه المعجزة أشبه بالهواء المتحرك. فقل الآن: أيُعترَض على الهواء إذا ارتفع بأنه لم يرتفع في طيَّارة؟
وبعد أن أتى الرافعي بقصة الإسراء والمعراج مختصرةً وموجزة، عرض للسؤال الحائر الذي تثيره كلما ذُكرت: هل كان الإسراء يقظةً أو منامًا، وبالروح وحدها أو بالروح والجسم معًا؟ وذكر أنه على الرأي الذي عليه جمهور العلماء من أن الإسراء والمعراج كانا بالجسم والروح معًا، ويستدل على ذلك بقوله تعالى: «إذ يغشى السدرة ما يغشى، ما زاغ البصر وما طغى». فلا يكون البصر يزيغ ويطغى إلا في الجسم، ولا ينتفي عنه ذلك إلا وهو في الجسم.
ومن طريف ما قاله الرافعي في برهان ذلك أن أساس القصة جبريل والبراق؛ وهما القوة الملائكية، والقوة الطبيعية، أو الروح الملائكي والروح الطبيعي. ولم يوصف البراق بأنه دابةٌ إلا رمزًا؛ إذ لا يأتي للعرب أن يفهموا ما يراد منه. وعنده أنه سُمِّي البراق من البرق، وما البرق إلا الكهربائية، وهذا هو المراد منه؛ فتلك قوةٌ كهربائيةٌ متى نبضت جمعت أول العالم بآخره.
وما دامت القوة الملائكية والقوة الطبيعية قد سُخِّرتا له صلى الله عليه وسلم، فلا معنى لأن يكون ذلك للروح وحدها، بل اجتماعهما معًا في القصة دليلٌ على أن سرَّ المعجزة إنما كان في تيسير ملاءمة جسمه الشريف لهاتين الحالتين؛ فيتحول في صورةٍ كونيةٍ ملائكيةٍ بين سرِّ الملك وسرِّ الطبيعة، وحينئذٍ لا تجري عليه أحكام الحواس ولا أحكام المادة.
ويخلُص الرافعي إلى أن ذكر البراق والملَك في أساس قصة الإسراء والمعراج هو صلة القصة بالمعجزة، وهو عينُه صلتُها بالبرهان العلمي، ولو لم يكونا فيها لما كان لها من تفسير. وليس للعقل أن ينكر شيئًا من هذا ونحوه؛ فإن تركيب الطبيعة ردٌّ عليه، ونقصه هو ردٌّ على نفسه، والمستحيل على الأعمى هو أيسر الممكنات على المبصِر!



