لماذا لم يعد أحد راضيًا؟

شحاتة زكريا
شحاتة زكريا

بقلم: شحاتة زكريا

رغم كل ما حققته البشرية من تقدم مذهل في العقود الأخيرة، يبقى سؤال بسيط يفرض نفسه بإلحاح: لماذا لم يعد أحد راضيًا؟ فالعالم اليوم أكثر رفاهية من أي وقت مضى.

التكنولوجيا وضعت المعرفة بين أيدينا بضغطة زر، ووسائل النقل اختصرت المسافات، والطب حقق إنجازات كانت تبدو أقرب إلى الخيال، والإنسان المعاصر يمتلك من الأدوات والفرص ما لم يكن يحلم به أسلافه ،ومع ذلك يبدو أن الرضا أصبح عملة نادرة، وأن الشعور بالاكتفاء يتراجع كلما ازدادت الإمكانات.

المفارقة أن المشكلة ليست في قلة ما نملك، بل في طبيعة نظرتنا إلى ما نملك فقبل سنوات طويلة كان الإنسان يقارن نفسه بمن يعيشون في دائرته الضيقة: أسرته أو جيرانه أو أبناء مدينته.

اقرأ أيضا| حين يتحول الطموح إلى عبء

أما اليوم فقد أصبح يقارن حياته بملايين البشر عبر شاشات الهواتف يستيقظ على صور نجاحاتهم، ويتابع تفاصيل رحلاتهم، ويرى لحظات سعادتهم المصقولة بعناية، فينشأ داخله شعور خفي بأن الجميع يعيشون حياة أفضل منه وهنا تبدأ الأزمة.

فوسائل التواصل الاجتماعي لم تكتفِ بتغيير طريقة التواصل، بل غيرت طريقة تقييم الإنسان لنفسه. أصبح كثيرون يقيسون قيمتهم بعدد الإعجابات والمتابعين والمشاهدات، وأصبح النجاح في نظر البعض مرتبطًا بما يراه الآخرون لا بما يشعرون به في أعماقهم. والنتيجة أن الإنسان دخل سباقًا لا خط نهاية له؛ كلما حقق هدفًا ظهر هدف جديد، وكلما امتلك شيئًا نظر إلى ما هو أكبر منه، وكلما وصل إلى مرحلة كان يحلم بها سابقًا فقد بريقها سريعًا وأصبحت مجرد محطة عابرة في طريق رغبات لا تنتهي.

الحقيقة التي يتجاهلها كثيرون أن الرضا ليس نتيجة لما نملك، بل نتيجة للطريقة التي ننظر بها إلى ما نملك. فقد تجد شخصًا يملك القليل لكنه يعيش في سلام داخلي، بينما تجد آخر يمتلك الكثير لكنه يعيش في حالة دائمة من القلق والتوتر والخوف من فقدان ما لديه.

ولعل أحد أخطر أمراض العصر هو ما يمكن تسميته بإدمان المقارنة. فالمقارنة في حدودها الطبيعية قد تكون دافعًا للتطوير، لكنها عندما تتحول إلى أسلوب حياة تصبح مصدرًا دائمًا للتعاسة، لأن الإنسان سيجد دائمًا من يملك أكثر منه مالًا أو شهرة أو نفوذًا أو نجاحًا، ومن هنا يتحول الرضا إلى هدف مستحيل.

كما أن ثقافة الاستهلاك لعبت دورًا كبيرًا في هذه الحالة، فالإعلانات والرسائل التسويقية لا تتوقف عن إقناع الإنسان بأنه يحتاج دائمًا إلى المزيد: المزيد من المقتنيات، المزيد من الرفاهية، المزيد من الإنجازات، وكأن السعادة سلعة يمكن شراؤها أو الوصول إليها عبر منتج جديد أو تجربة مختلفة.

لكن الواقع يثبت أن السعادة أعمق من ذلك بكثير، فالإنسان لا يعيش بالماديات وحدها، بل يحتاج إلى الشعور بالمعنى، وإلى علاقات إنسانية صادقة، وإلى هدف يمنحه الإحساس بقيمة ما يفعله. وعندما يغيب المعنى تصبح الإنجازات نفسها عاجزة عن منح صاحبها الشعور الحقيقي بالرضا. ولهذا نرى أشخاصًا حققوا نجاحات كبيرة ومع ذلك يشعرون بفراغ داخلي لا يفهمه من ينظر إليهم من الخارج؛ فالمشكلة ليست دائمًا في نقص الإنجاز، بل أحيانًا في غياب الغاية.

هناك أيضًا عامل آخر لا يقل أهمية، وهو تسارع إيقاع الحياة. فالعالم أصبح سريعًا إلى درجة أن الإنسان لم يعد يمنح نفسه فرصة للتأمل أو الاستمتاع بما حققه. ينتقل من هدف إلى آخر، ومن مهمة إلى أخرى، ومن طموح إلى طموح، دون أن يتوقف لحظة ليسأل نفسه: هل أنا سعيد حقًا؟ لقد أصبحنا نعيش كثيرًا من الوقت في المستقبل؛ نفكر فيما سنحققه غدًا وننسى أن نعيش ما نملكه اليوم.

نؤجل الرضا إلى محطة قادمة، ونقنع أنفسنا أن السعادة ستأتي عندما نصل إلى هدف معين، ثم نكتشف بعد الوصول أن هناك هدفًا آخر ينتظرنا. وهكذا تستمر الدائرة.

ولا يعني ذلك الدعوة إلى التوقف عن الطموح أو الاكتفاء بما هو قائم، فالتقدم والسعي والعمل قيم عظيمة صنعت الحضارات وغيرت حياة الأمم. لكن الفرق كبير بين الطموح الذي يمنح الإنسان الطاقة والطموح الذي يتحول إلى مصدر دائم للقلق وعدم الرضا.

الرضا الحقيقي لا يعني الاستسلام للواقع، بل يعني أن تعمل بكل ما تستطيع وفي الوقت نفسه تقدر ما لديك وتحمد الله عليه؛ أن تنظر إلى ما ينقصك بعين الطموح، وأن تنظر إلى ما تملكه بعين الامتنان. فكثير من النعم التي نعتبرها أمورًا عادية هي في الحقيقة أحلام يتمنى آخرون امتلاكها: الصحة، والأسرة، والأصدقاء، والاستقرار، والقدرة على العمل، كلها أشياء لا يشعر الإنسان بقيمتها كاملة إلا عندما يفقدها.

وربما لهذا السبب كان الامتنان أحد أهم مفاتيح الرضا عبر التاريخ، فالإنسان الذي يدرك قيمة ما بين يديه يصبح أكثر قدرة على الاستمتاع بحياته وأكثر مقاومة لمشاعر النقص التي يزرعها العالم الحديث في النفوس.

في النهاية، قد لا تكون المشكلة أن الحياة أصبحت أصعب، بل أن سقف التوقعات أصبح أعلى من قدرة الواقع على إشباعه. وقد لا يكون السؤال الحقيقي: لماذا لم يعد أحد راضيًا؟ بل: متى تعلمنا أن نربط سعادتنا بما ينقصنا أكثر مما نربطها بما نملكه؟ فالرضا ليس محطة نصل إليها في نهاية الطريق، بل طريقة ننظر بها إلى الطريق نفسه. ومن يدرك هذه الحقيقة يكتشف أن السعادة لم تكن بعيدة كما ظن، بل كانت أقرب إليه مما كان يتصور.