بقلم: د. شعبان عبد الجيِّد
للشيخ الجليل (محمد الغزالي) كتابٌ قيِّمٌ عنوانُه "ليس من الإسلام "، رصَدَ فيه بعضَ البدَع والمحدثات التي طرأت على المجتمع الإسلامي في القرن العشرين، وكان من بينها ما أحدثه الناس من بِدَعٍ في الجنائز والأفراح؛ فبالغوا في هذا مبالغةً بغيضة، حتى صار من الفقراء المحتاجين إلى القوت من يستدينُ ليُقيم هذه التقاليد الدخيلة التي استقرت في وَهْمِه، حتى حسبها دينًا أو أشدَّ من الدين.
وذكَّرَنا الرجلُ بأن سُنَّةَ الإسلام في مصيبة الموت أن يستقبلَ المَرءُ قضاءَ الله وهو صابرٌ محتسِب؛ فلا يأذن للجزع أن يسكن فؤادَه إلا زائرًا، ولا يدع الحزن يَمُرُّ عليه إلا عابرًا، لا يكاد يُلِمُّ به حتى ينأى عنه، ثم يواصل حياته وهو أكثر معرفةً بربه وتسليمًا لحُكمِه ورجاءً فيما عنده: فذَهابُ حيٍّ إلى الدار الآخرة لا يعني إشاعة الفوضى والكآبة في شئون الحياة، والأمر كما قيل: مات الميت فلْيَحي الحي!
ولا شك أن مغالاة كثيرٍ من المسلمين ومبالغتَهم في أحزانهم حمقٌ كبير، وأكبر منه ما يفعلونه في أفراحهم على اختلاف أسبابها حين ينزعون إلى الغلُوِّ والتكلُّف،ويستغلون إباحة الإسلام للطيبات فيتوسعون في انتهابها، ويبالغون في الإسراف حدًّا لا يصل إليه أتباع الديانات الأخرى؛ فالسُّكارى عندنا يكرعون من الرجس حتى يرتموا على الأرض، والسُّكارى منهم يتجرعون القليل الذي يحفظ توازنَهم، والمرأة الأجنبية تكتفي بملبسٍ رخيصٍ أنيق، والمرأة المسلمة لا ترضى حتى تضع على بدنها أغلى الأنسجة وأحدث الموضات!
اقرأ أيضا| بديعُ المختار من ربيعِ الأبرار!
والعجب العُجاب أننا نفعل هذا ونحن فقراءٌ محتاجون، لا يكاد أكثرُنا، وبخاصة بعد موجة الغلاء الفاحش، يلاحق ضروريات الحياة وتكاليفها اليومية العادية، وهو مع ذلك يرهق نفسَه بالنفقات الباهظة في تجهيز ابنِه أو ابنته، وإقامة سرادقات الحِنَّاء والزفاف، وإعداد ولائم حافلة حاشدة، يُدعَى إليها القادرون والمتخَمون، ولا يطعم منها جائع ولا محروم!
كان الشيخ الغزالي حزينًا وهو يتحدث عن أفراح المسلمين منذ نصف قرن، ولعله كان يقصد أهلَ المدن في ذلك الوقت؛ ولو امتد به العمر ليدرِك ما صار إليه الأمرُ في القرى والكفور والنجوع، لحوقل واستغفر، ودعا الله أن يخرجَه من هذه البلدة الظالمِ أهلُها.
لقد قضينا في قريتنا على كثيرٍ من البدع المنكرة في الجنائز، ولكننا أحدثنا ما هو أبشع منها في الأفراح، فأحسنَّا هنالك وأسأنا ها هنا، وداوينا داءً بداء، وجرَّ بعضُنا بعضًا نحو المظاهر الكاذبة والتفاخر المجنون، وتنافس في ذلك أغنياء القوم وفقراؤهم، وعقلاؤهم وسفهاؤهم، ومتعلموهم وجهَّالُهم، وأغرَقْنا أنفسَنا في دوامة القروض والديون والأقساط، فضاقت معيشتُنا وساءت أحوالنا، وتبدَّلَت أخلاقُنا، وانشغل البالُ بما بقي للنجَّار والتجار، وما وجب سدادُه للبنوك والمرابين، ولم نعد نستمتع بمباهج الحياة، ولا نذوق طعم الأيام، ولا نلتذ بما نأكل أو نشرب.
وفسدت بسبب ذلك حياتنا الاجتماعية في أكثر جوانبها، فقطعت الأرحام، وتمزقت الأواصر، واهترأت روابط المودة والحب، وصار كل واحدٍ منا مشغولًا بحاله، لا يعنيه من أمر أخيه أو ابن عمه شيء، ولا يبالي بما يدور في بيت جاره من بؤسٍ وتعاسة وشقاء.
وليس في هذا المشهد المؤلك دينٌ ننطلق منه، ولا عقيدة نرتكز عليها، ولا أعراف نحكِّمُها فيما بيننا؛ إنما هي أهواء النفوس وتخريفات الرؤوس، وما هي إلا أن تخرج الفكرة الملعونة من فم امرأة جاهلةٍ مستهترة، توحي بها إلى رجلٍ فاقد الوعي قيل الإيمان، معدوم الشخصية، فيستجيب لها استجابة المنوَّم مغناطيسيًّا، وينفذها كالعبد المأمور، أو الشارب المخمور، ثم لا يفيق المأفون إلا وهو يتخبط في بحر لُجِّيٍّ من فوقه موجٌ من فوقه سَحاب.
إننا، في مجملنا، لم نعد نتأدب بآداب الإسلام في الخِطبة والزواج؛ فنمرح بلا معصية، ونلهو بلا تبذُّل، ونطرب بلا تأثيم، وصارت أفراحُنا هي الضجيج الصخب، واللهو الماجن، والإسراف السفيه: أموال تنفَق في الباطل، وأخلاقٌ تُلطَم على وجهها، ودين يُهان بلا حياء.
وباتت الكرامة والرجولة والشهامة والنخوة، وأمثالها من المفردات الجميلة والقيم الفاضلة، من مخلَّفات الماضي، وتراث القرية البائد؛ لا نعرفه في غير حكايات العجائز، ولا نكاد نسمع به إلا في مسامرات الشيوخ.
أمَّا الواقع الذي نعيشه والحاضر الذي نشاهده، فهو للشباب المستهتر يملؤه بالغناء الهابط والكلام الساقط والرقص الخليع، ولا يحلو الأمر إلا بارتكاب المنكرات وشرب المُسكِرات، وفعل المحرمات.
ومعظم كبار السنِّ، من ذوي الشيبة والعمر الطويل، يتفرجون في عجز مخجلٍ واستسلامٍ مَقيت، لا يرتفع صوتهم احتجاجًا، ولا يندَي جبينُهم حياءً، ليس لهم أمرٌ يُسمَع ولا نهيٌ يُقبَلُ ولا رأيٌ يُطاع. واكتفَوا بدور العائل المموِّلِ والمنفق الكريم، وأراحوا أنفسَهم من مسئولية النصح والتدبير والتوجيه.
إن قلة من المؤمنين الحقيقيين هم الذين يخالفون هذه المحدثات الذميمة والبدع المنكرة، ويتمسكون بكتاب ربهم وسنة نبيهم، وهم النورُ الباقي وسط الظلام الحالك، يقبضون على الجمر، ويَسبَحون ضدَّ التيَّار، ويثقون بأن الله سينصرهم ويؤيدهم.
أمَّا الذين نلتمس منهم الرايَ والمشورة، ونظن فيهم العقل والحكمة، من رجال الدين وأهل العلم، فإنهم يعالجون هذا كله بالموعظة الخافتة والنصح الخفيض.
واكتفى بعضُهم بمقاطعة هذه الملاهي والمساخر، وأنكروها بقلوبهم. وهذا أضعف لإيمان!



