ميزان التربية

هويدا عبد المنعم
هويدا عبد المنعم

بقلم: هويدا عبد المنعم - أخصائي الصحة النفسية

(واعدلوا) كلمة نظنها حروفًا فقط لكنها أمر من الله علينا تنفيذه.

الأسرة هى النواة الأولى التي يتشكل فيها وعي الطفل وشخصيته، ومن داخلها يكتسب القيم والمبادئ التي ترافقه طوال حياته. ومن أهم هذه القيم قيمة العدل، التي لا تقتصر على كونها خُلقًا محمودًا، بل تُعد أساسًا في بناء شخصية متوازنة ومستقرة.

لذلك فإن العدل بين الأبناء يمثل أحد أهم أركان التربية الناجحة، فهو الميزان الذي يحفظ التوازن داخل الأسرة ويُسهم في تنشئة أجيال سوية نفسيًا واجتماعيًا.

ويُقصد بالعدل بين الأبناء المساواة بينهم في المعاملة والاهتمام والرعاية والعطاء وفق ما تقتضيه احتياجات كل منهم، بعيدًا عن التفضيل أو التحيز.

فحين يشعر الأبناء بأن والديهم يتعاملون معهم بإنصاف، تنمو لديهم مشاعر الثقة والأمان والانتماء، ويزداد احترامهم لذواتهم ولمن حولهم. أما التمييز بين الأبناء، سواء كان بسبب الجنس أو العمر أو التفوق الدراسي أو غير ذلك، فإنه يترك آثارًا سلبية عميقة قد تستمر لسنوات طويلة.

إن غياب العدل داخل الأسرة قد يؤدي إلى نشوء الغيرة والحسد بين الإخوة، ويزرع في نفوسهم مشاعر الظلم والإحباط. وقد يدفع بعض الأبناء إلى الانطواء أو التمرد أو السلوك العدواني بحثًا عن الاهتمام المفقود. كما أن التفرقة المستمرة تضعف الروابط الأسرية وتؤثر سلبًا في العلاقات بين الإخوة حتى بعد بلوغهم سن الرشد.

ومن جهة أخرى، يساهم العدل بين الأبناء في تعزيز قيم التعاون والمحبة والاحترام المتبادل. فالطفل الذي ينشأ في بيئة عادلة يتعلم أن الحقوق تُمنح وفق أسس واضحة، وأن الجميع يستحقون التقدير والاحترام.

اقرأ أيضا| بهجة العيد وتجديد النفس 

كما يكتسب مهارات التعامل الإيجابي مع الآخرين، ويصبح أكثر قدرة على بناء علاقات اجتماعية سليمة قائمة على الإنصاف والتسامح.

ولتحقيق العدل بين الأبناء، ينبغي على الوالدين تجنب المقارنات المستمرة بينهم، والحرص على توزيع الاهتمام والوقت بصورة متوازنة، والاستماع إلى مشاعر كل طفل واحتياجاته. كما يجب أن تكون المكافآت والعقوبات مبنية على السلوك والتصرفات لا على الميول الشخصية أو التفضيلات الخاصة.

ومن المهم أيضًا إدراك أن العدل لا يعني التطابق التام في كل شيء، بل مراعاة الفروق الفردية بين الأبناء مع الحفاظ على شعور الجميع بالإنصاف.

ومن الناحية النفسية، يعد التمييز بين الأبناء سواء كان مقصودًا أو غير مقصود هو أحد أسرع الطرق لهدم الصحة النفسية للطفل. عندما يشعر أحد الأبناء بأنه "الأقل تفضيلًا"، يبدأ في تطوير مشاعر تدني تقدير الذات، ويتولد لديه إحساس دائم بعدم الكفاءة والنقص. هذا الشعور لا يتوقف عند الطفولة، بل يمتد مع الإنسان حتى مرحلة البلوغ، متشكلًا في صورة قلق مزمن أو ميل نحو العزلة.

وأخيرًا، إن العدل بين الأبناء ليس خيارًا تربويًا ثانويًا، بل هو أمانة ومسؤولية عظيمة. ومن خلال ضبط هذا الميزان بدقة، لا نحمي فقط الصحة النفسية لأطفالنا اليوم، بل نبني أجيالًا سوية، متماسكة، وقادرة على قيادة الغد بقلوب سليمة وعقول متزنة.