بقلم: نيفين ياقوت
ليست كل برشامة دواءً تشفي، فبعض البرشام قد يكون سُمًّا يُقدَّم للعقول قبل الأجساد في غلافٍ جذاب، يبتلعه الناس وهم يضحكون، ثم يكتشفون بعد فوات الأوان أنه تسلل إلى نفوسهم وأفسد ما فيها من قيم وثوابت.
ومن أخطر ما يمكن أن يُقدَّم للمجتمعات تلك "البرشامات الفكرية" التي تُمرَّر عبر بعض الأعمال الفنية تحت ستار الكوميديا والترفيه.
فيتناولون فيها الدين كمادة للسخرية، والتوبة إلى مشهد هزلي، والذنوب إلى أمرٍ عادي لا يستحق الوقوف عنده، إذ إن القضية لم تعد مجرد فيلم أو مشهد كوميدي، بل أصبحت رسالة تُبث إلى ملايين المشاهدين، خاصة من الشباب الذين ما زالت عقولهم في مرحلة التشكّل.
إن المشكلة الحقيقية لا تكمن في الضحك ذاته، فالإسلام لم يُحرِّم الفرح ولا البشاشة، وإنما تكمن في الضحك على حساب المقدسات، والاستهانة بما عظّمه الله، وتصوير الالتزام الديني وكأنه تخلّف أو مادة للتندر، بينما تُقدَّم المعصية في صورة خفيفة لا تستوجب خوفًا أو ندمًا.
لقد حذّر القرآن الكريم من اتخاذ آيات الله هزوًا أو موضع سخرية، وجعل ذلك من الأمور الخطيرة التي تستحق العقوبة الإلهية في الدنيا قبل الآخرة. فالدين بالنسبة للمؤمن ليس مادة للعبث أو المزاح، وإنما هو منهج حياة، ومصدر للأخلاق، وضابط للسلوك، وحصن يحمي المجتمعات من الانهيار.
والمؤسف أن بعض الشباب يتلقى هذه الرسائل المتكررة دون أن يشعر؛ يضحك أولًا، ثم يألف الفكرة، ثم يفقد تدريجيًا هيبة ما كان يعظّمه بالأمس. وهنا تكمن خطورة "البرشامة" الحقيقية؛ فهي لا تقتل الجسد، بل تقتل الضمير، لا تُذهب العقل، بل تُغيّب الوعي، لا تُميت الإنسان، بل تُميت في داخله الخشية من الله.
لسنا ضد الفن، بل نؤمن أن الفن رسالة عظيمة قادرة على البناء كما هي قادرة على الهدم. لكن الفن الذي يزرع الفضيلة يختلف عن الفن الذي يهدمها، والفن الذي يوقظ الضمير يختلف عن الفن الذي يُخدّره.
ولهذا فإن أخطر برشامة يمكن أن يتناولها شعب ليست تلك التي تُباع في الصيدليات، بل تلك التي تُغلف بالضحكات، وتُقدَّم على الشاشات، ثم تتسلل إلى العقول لتسلبها احترام الدين، وتنتزع من القلوب خشية الله.
وعندها لا يكون الضحك مجرد ضحك... بل يكون بداية خسارة لا يدركها الناس إلا بعد أن يدفع المجتمع ثمنها غاليًا.



