بقلم: د. محمد سالمان
الصوفية هم السابقون إلى طريق الله تعالى خاصة، وأن سيرتهم أحسن السير، وطريقهم أصوب الطرق، وأخلاقهم أزكى الأخلاق... إن جميع حركاتهم وسكناتهم في ظاهرهم وباطنهم مقتبسة من نور مشكاة النبوة، وليس وراء نور النبوة على وجه الأرض نور يُستضاء به (المنقذ من الضلال: 49). بهذه الكلمات عرّف الإمام أبو حامد الغزالي التصوف.
اقرأ أيضا| نشر الأنفاس في فضائل زمزم وسقاية العباس لـخليفة بن أبي الفرج الزمزمي 1 - 2
وللتصوف من ناحية المعنى والمضمون جذور عميقة في الإسلام، وقد بدا بصورة بسيطة في الصدر الأول للإسلام، وعُلم عن كثير من الصحابة ميلهم إلى الزهد وإعراضهم عن الدنيا، وكانت الروح الإيمانية قوية في العصر الإسلامي الأول، فلم يكن هناك حاجة إلى التصوف باسمه الذي تبلور بعد ذلك في القرن الثالث والرابع الهجريين.
اختلف العلماء في اشتقاق كلمة "التصوف"، فقيل: هي نسبة إلى الصوف، حيث يُجمع أغلب الباحثين على أن الكلمة مشتقة من "الصوف"، إذ عُرف الزهاد والمتعبدون الأوائل بارتداء العباءات الخشنة المصنوعة من صوف الغنم تواضعًا لله وزهدًا في متاع الدنيا.
وقيل: نسبة إلى أهل الصُّفَّة، وهم جماعة من فقراء الصحابة الذين كانوا يقيمون في مسجد رسول الله ﷺ، وكانوا مفرطين في الزهد والعبادة.
وقيل: هي مشتقة من الصفاء، حيث يرى بعض العلماء أن التسمية جاءت من صفاء القلوب ونقائها.
وقيل: هي مشتقة من اليونانية، حيث يرى بعض المؤرخين مثل البيروني أنها معرّبة من كلمة "صوفيا" (Sophia) اليونانية التي تعني "الحكمة"، وهو رأي ضعّفه الكثيرون.
أيًّا كان الاشتقاق، فالتصوف منهج وسلوك يسلكه العابد حتى يصل إلى حقيقة الحقائق، فلا يرى في الكون إلا الله.
تعددت المؤلفات الخاصة بالمتصوفة، فمنهم من سجّل طريقه ورحلته إلى الله كالإمام الغزالي في "إحياء علوم الدين" و"المنقذ من الضلال"، وابن عربي في "الفتوحات المكية" و"فصوص الحكم" وغيرها.
ومنهم من اعتنى بذكر الكرامات مثل يوسف النبهاني في كتابه "جامع كرامات الأولياء"، ومنهم من جمع أئمة الطريق ومقولاتهم وترجم سيرهم كالسلمي في "طبقات الصوفية"، وفريد الدين العطار في "تذكرة الأولياء"، والقشيري في "الرسالة القشيرية".
غير أن أوسع تلك الكتب كان كتاب "حِلية الأولياء وطبقات الأصفياء" لأبي نُعيم الأصفهاني.
واختلف العلماء في شخصية أبي نُعيم بين منتقد له ومادح فيه، ويُعد أبو عبدالله محمد بن إسحاق بن منده أكثر الناس انتقادًا له، وواضح أن الخلاف بينهما كان خلافًا مذهبيًا، فقد كان أبو نُعيم أشعري المذهب، وابن منده حنبلي، والخصومات بين الأشاعرة والحنابلة مشهورة ومتعددة الحلقات.
وكذلك انتصر ابن طاهر المقدسي لابن منده على أبي نُعيم، كما كان موقف ابن الجوزي الذي ترجم لأبي نُعيم في "المنتظم" ترجمة موجزة جدًا دلالة على عدم ارتياحه للرجل، ثم ذكره في "تلبيس إبليس" فقال: له كتاب الحِلية، وذكر في حدود التصوف أشياء منكرة قبيحة.
لكن انتصر الذهبي لأبي نُعيم في كتبه "ميزان الاعتدال"، و"سير أعلام النبلاء"، و"العبر"، و"تذكرة الحفاظ"، وكان موقفه موقف المنصف العادل، واستطاع الرد على مقولات ابن منده، وكذلك كان موقف الإمام السبكي في "طبقات الشافعية".
كتاب "الحِلية" من أوسع كتب تراجم الصوفية، ولذلك كان محل عناية المصنفين، ودارت حوله حركة علمية كبرى، ومن تلك المؤلفات كتاب "صفة الصفوة" لابن الجوزي، وكتاب "أحاسن المحاسن" لإبراهيم بن أحمد الحنبلي.



