تسيطر ثقافة المجموع والدرجات على المشهد التعليمي عامًا بعد عام، حتى بات النجاح في نظر كثيرين مرادفًا لما يحققه الطالب من أرقام، لا لما يكتسبه من علم أو مهارة أو قيمة.
ومع اقتراب موسم الامتحانات، تتكرر المشاهد نفسها؛ طلاب يعيشون تحت ضغط هائل، وأسر تترقب النتائج بقلق، ومجتمع بأكمله يختزل مستقبل أبنائه في ورقة درجات. وكأن التعليم لم يعد رحلة لبناء الإنسان، بل سباقًا محمومًا نحو المجموع.
اقرأ أيضا| حين يتحول الانتداب إلى كارثة
لقد تحول المجموع من وسيلة لقياس التحصيل إلى غاية في حد ذاته، وأصبحت ورقة الدرجات هي الحَكم على قيمة الطالب وقدراته ومستقبله.
ولم يعد السؤال: ماذا تعلم؟ أو ماذا يستطيع أن يفعل؟ بل كم حصل من درجات؟ وهنا تكمن المشكلة الحقيقية؛ لأننا حين نربط النجاح بالأرقام فقط، فإننا نُفرغ العملية التعليمية من مضمونها الإنساني والتربوي.
الأخطر أن هذه الثقافة تزرع في نفوس البعض قناعة بأن النتيجة أهم من الوسيلة، وأن الوصول إلى الدرجة المطلوبة يبرر أي طريق يؤدي إليها. ومن هنا يجد الغش بيئة خصبة للنمو، وتتحول النزاهة إلى عبء، بينما يصبح الالتزام بالقانون عقبة أمام تحقيق الهدف.
وعندما يصل الأمر إلى تبرير الغش أو التعاطف مع مرتكبيه بحجة الخوف على المستقبل، فإننا لا نواجه أزمة امتحانات، بل أزمة قيم.
ولم تعد الضغوط تقع على الطلاب وحدهم، بل أصبحت الأسرة في كثير من الأحيان شريكًا في صناعة هذه الأزمة. فبعض أولياء الأمور يقيسون نجاح أبنائهم بمجموع الدرجات التي حصلوا عليها، لا بما اكتسبوه من علم أو مهارة أو أخلاق. فينشأ الطالب مقتنعًا بأن قيمته الحقيقية تكمن في رقم يُكتب على ورقة، وأن احترامه وتقديره مرتبطان بالمجموع الذي يحققه.
ومن النتائج المؤسفة لهذه الثقافة أن من يحاول حماية نزاهة الامتحانات وتطبيق القانون قد يتحول إلى متهم. فالمعلم أو المراقب الذي يمنع الغش ويؤدي واجبه بأمانة قد يواجه انتقادات أو هجومًا لأنه وقف في طريق تحقيق "المجموع".
وهنا تتجلى المفارقة الخطيرة؛ إذ يصبح المدافع عن القيم موضع لوم، بينما يحظى المخطئ أحيانًا بالتعاطف والتبرير.
إن المجتمعات لا تُبنى بالدرجات وحدها، ولا تتقدم بالشهادات المجردة من القيم. فما قيمة طالب حصل على أعلى المجموعات إذا كان يفتقد الأمانة والانضباط واحترام القانون؟ وما جدوى شهادة متميزة إذا كانت ثمرة غش أو تحايل؟ فالعلم الحقيقي لا يُقاس بما نحفظه من معلومات فحسب، بل بما نصنعه من إنسان قادر على التفكير والإبداع وتحمل المسؤولية.
إن إصلاح التعليم لا يبدأ فقط من تطوير المناهج أو تحديث نظم الامتحانات، بل من إعادة الاعتبار للتربية بوصفها شريكًا أساسيًا في بناء الإنسان. نحتاج إلى أن يتعلم أبناؤنا أن النجاح ليس رقمًا على ورقة، بل ثمرة جهد واستحقاق، وأن التفوق الحقيقي هو القدرة على الجمع بين العلم والأخلاق، وبين المعرفة والقيم.
مادامت استمرت هيمنة ثقافة المجموع، وظلت الدرجات هي المعيار الوحيد للحكم على الطلاب، سنظل ندور في دائرة مفرغة تنتج أجيالًا تحفظ أكثر مما تفهم، وتسعى إلى النتيجة أكثر مما تسعى إلى التعلم. أما حين نستعيد التوازن بين التعليم والتربية، فسنصنع أجيالًا تؤمن بأن النجاح ليس مجرد مجموع، بل منظومة متكاملة من المعرفة والاجتهاد والأخلاق والاستحقاق.



