لم تكن المعلمة شهيدة الواجب تعلم أن رحلتها لأداء واجبها المهني ستكون الأخيرة في حياتها. خرجت من محافظة أسوان متجهة إلى محافظة البحيرة للمشاركة في أعمال مراقبة امتحانات الدبلومات الفنية، لكنها لم تصل إلى لجنة الامتحان، إذ انتهت الرحلة بحادث سير أودى بحياتها، لتتحول واقعة فردية مؤلمة إلى قضية رأي عام داخل المجتمع التعليمي.
أعادت هذه المأساة إلى الواجهة ملف الانتدابات البعيدة للمعلمين والمعلمات خلال أعمال الامتحانات، وهو الملف الذي طالما أثار تساؤلات وانتقادات بشأن جدواه وآثاره على العاملين في المنظومة التعليمية. فالمسافة التي قطعتها المعلمة الراحلة من أقصى جنوب مصر إلى شمالها لم تكن مجرد رحلة سفر عادية، بل نموذجًا لما يواجهه عدد من المعلمين سنويًا من مشقة وأعباء ومخاطر في سبيل أداء مهامهم.
اقرأ أيضا|وزير التعليم: انطلاق امتحانات الدبلومات الفنية لـ 821 ألف طالب السبت المقبل
وعقب الحادث، سادت حالة من الغضب والحزن بين المعلمين، الذين رأوا أن الواقعة تكشف الحاجة إلى مراجعة آليات توزيع المنتدبين لأعمال الامتحانات. فالكثير منهم يتساءلون عن مبررات انتداب معلمين لمسافات طويلة، في وقت تتوافر فيه كوادر تعليمية داخل المحافظات أو في نطاقات جغرافية أقرب يمكن الاستعانة بها دون تعريض العاملين لمشقة السفر ومخاطره.
ولا تقتصر أعباء الانتداب البعيد على الجانب الأمني فقط، بل تمتد إلى الجوانب النفسية والاجتماعية والاقتصادية. فالمعلم المنتدب يتحمل عناء السفر والإقامة والابتعاد عن أسرته لفترات متفاوتة، فضلًا عن الضغوط المصاحبة للتنقل بين المحافظات، خاصة في ظل الاعتماد على وسائل مواصلات قد لا توفر القدر الكافي من الأمان والراحة.
ورغم أهمية ضمان النزاهة والحيادية في أعمال الامتحانات، فإن كثيرين يرون أن تحقيق هذه الأهداف لا ينبغي أن يكون على حساب سلامة المعلمين. ومن هنا برزت مطالب بضرورة إعادة النظر في سياسة الانتدابات، بما يحقق التوازن بين متطلبات العملية الامتحانية وحماية العنصر البشري الذي يمثل الركيزة الأساسية للعملية التعليمية.
كما دعا معلمون إلى قصر الانتدابات على النطاقات الجغرافية القريبة قدر الإمكان، أو توفير وسائل نقل آمنة ومنظمة للمنتدبين، بما يقلل من مخاطر السفر ويحافظ على سلامتهم أثناء أداء واجباتهم المهنية.
لقد كشفت وفاة شهيدة الواجب علي أن بعض الإجراءات الإدارية قد تحتاج إلى مراجعة مستمرة تواكب متطلبات الواقع وتحافظ على أرواح العاملين. فالمعلم الذي يخرج لأداء واجبه يجب أن يعود إلى أسرته سالمًا، وتظل سلامته مسؤولية لا تقل أهمية عن انتظام الامتحانات أو نجاح الإجراءات التنظيمية.
رحم الله الفقيدة، وألهم أسرتها وذويها الصبر والسلوان، ولعل هذه الحادثة تكون دافعًا لإعادة تقييم منظومة الانتدابات بما يضمن تحقيق أهدافها دون أن يدفع أحد ثمنها من حياته.



