بقلم/ د. جمال عادل
فى زمنٍ تتسارع فيه الأحكام، وتتزاحم فيه الآراء، ويعلو فيه صوت الانتصار للنفس على صوت الحقيقة، يبقى الإنصاف قيمةً نبيلةً يبحث عنها الجميع، ويمارسها القليل. ولعل أصدق وصف لهذه القيمة الخالدة هو القول المأثور: «الإنصاف عزيز»، أي أنه نادر الوجود رغم حاجة الناس إليه فى كل زمان ومكان.
الإنصاف ليس مجرد موقف عابر، بل هو منهج حياة يقوم على إعطاء كل ذي حق حقه دون زيادة أو نقصان، وهو أن تنظر إلى الأمور بعين العدل لا بعين الهوى، وأن تزن الأقوال والأفعال بميزان الحقيقة لا بميزان المصالح الشخصية أو الانتماءات الضيقة.
كم من خلافات أسرية كان يمكن أن تنتهي بكلمة منصفة؟ وكم من نزاعات اجتماعية أو مهنية تفاقمت بسبب غياب الإنصاف؟ إن كثيرًا من المشكلات لا تنشأ من نقص المعلومات، بل من رغبة الإنسان فى أن يكون هو الرابح دائمًا، حتى لو كان الحق مع غيره.
ويظهر الإنصاف الحقيقي عندما يختلف الإنسان مع غيره، فليس الإنصاف أن توافق من تحب فقط، بل أن تعترف له بالصواب إذا أصاب، وأن ترد عليه بالحجة إذا أخطأ دون تجريح أو إساءة، فالمنصف لا يخشى الاعتراف بالحق، لأن غايته الوصول إلى الحقيقة لا تحقيق الانتصار الشخصي.
وفى عالم الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، أصبحت الحاجة إلى الإنصاف أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى، فكثير من الناس يبنون أحكامهم على مقاطع مجتزأة أو معلومات ناقصة، ثم يطلقون الاتهامات دون تثبت أو تدقيق، ولو تحلينا جميعًا بشيء من الإنصاف، لتراجعت الخصومات، وخفت حدة الاستقطاب، وانتشرت ثقافة الحوار الراقي.
إن الأمم لا تبنى بالقوة وحدها، ولا بالعلم وحده، بل تبنى أيضًا بالقيم التي تحفظ الحقوق وتصون الكرامة والإنصاف من أعظم هذه القيم؛ فهو أساس العدل، وجسر الثقة بين الناس، وطريق الاستقرار فى المجتمعات، لذلك قال الحق سبحانه وتعالى (يأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُونُوا قَوّمِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِلْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَـَانُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا عْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَتَّقُوا للَّهَ إِنَّ للَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ).
فالله يأمرنا بالإنصاف حتى مع الذين بيننا وبينهم عداوة 'ختامًا، يبقى الإنصاف خلقًا يحتاج إلى شجاعة أكثر مما يحتاج إلى معرفة، لأن أصعب أنواع العدل هو أن يكون الإنسان عادلًا مع نفسه قبل أن يكون عادلًا مع الآخرين، وحين ينتصر الإنسان للحق على حساب هواه، يدرك المعنى الحقيقي لهذه العبارة الخالدة: «الإنصاف عزيز»، لكنه ليس مستحيلًا لمن صدقت نيته واستقام ضميره.



