الله معنا

أحمد هارون
أحمد هارون

بقلم: أحمد هارون

أطلّت علينا الهجرة النبوية الشريفة بظلالها الوارفة، وهي تتألق بتباشير الفجر، وملامح الفرج، تنبعث من تاريخ يفيض بالعزة ويشمخ بالجلال. يقول الله تبارك وتعالى: {إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}.
أسباب الهجرة ونتائجها

لمّا اشتد أذى المشركين في مكة المكرمة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وحين ظهر الإسلام وانتشر في المدينة المنورة، شكا أصحاب رسول الله ما وجدوه من الأذى، واستأذنوه في الهجرة إلى المدينة، فأذن، فهاجر إليها كل من يحافظ على دينه، فخرجوا أفواجًا، فآواهم الأنصار وواسَوهم، ولم يبق بمكة إلا المصطفى رسول الله، والصديق أبو بكر، والمرتضى عليّ، أو محبوس أو مريض.

أقرأ أيضًا| تحقيق التراث (2)

لما رأت قريش خروج من أسلم إلى المدينة، خافت خروج المصطفى، وعلمت أنه قد صار للمسلمين منعة وقوة، فاجتمعوا في دار الندوة للتشاور في أمره، وحضرهم إبليس في صورة شيخ نجدي، فأشار كلٌّ برأي، وإبليس يرده، إلى أن قال أبو جهل: نأخذ من كل قبيلة من قريش غلامًا بسيف، فيضربونه ضربة رجل واحد، فيتفرق دمه في القبائل، فلا يقدر بنو عبد مناف على حرب الكل، فقال النجدي: هذا هو الرأي، فتفرقوا عليه.

وأخبر جبريل النبيَّ بذلك، فلم ينم في مضجعه تلك الليلة، فلما كانت عتمة من الليل، اجتمع المشركون على بابه يرصدونه حتى ينام، فيثبون عليه، فقال لعلي: «نم على فراشي وتسجَّ ببردي، فلن يخلص إليك شيء تكرهه»، وأخذ حفنة تراب وخرج عليهم، فلم يروه، فجعل ينثر ذلك التراب على رؤوسهم، وهو يتلو سورة يس إلى قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ}.

جاء المصطفى إلى بيت الصديق ظهرًا، فقال: «إن الله أذن لي في الهجرة»، فقال: الصحبةَ. فتجهزا. قالت عائشة: «وصنعنا لهما سفرة (طعام المسافر) في جراب (وعاء من جلد)، فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها، فربطت به على فم الجراب، فبذلك سميت ذات النطاقين» (النطاق: ثوب تشد به المرأة وسطها).

فخرجا ليلًا، فترافقا إلى غار في جبل ثور، فدخلاه، وخيّم العنكبوت على بابه، وباضت حمامتان، وطلبت قريش المصطفى أشد الطلب، وأتوا إلى الغار فوجدوه كذلك، حتى قال أبو بكر: «لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا»، فقال رسول الله: «ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما». معناه: ثالثهما بالنصر والمعونة والحفظ والتسديد.

في صحراء تمتد كالأبد، وتحت شمس تلفح الوجوه، كان ذلك اليوم حين عمّ القلق أرجاء مكة، فقد أفلت النبي ﷺ من عيون قريش، وغادر مع صاحبه أبي بكر في رحلة محفوفة بالمخاطر نحو المدينة. وكانت قريش قد أعلنت عن جائزة عظيمة: «مئة ناقة لمن يأتي بمحمد حيًّا أو ميتًا»، فتسابق الطامعون، ومن بينهم رجل فارس ماهر، له عين كالصقر، وركاب لا يُشق له غبار، وهو سراقة بن مالك.

ولم تكن هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم هربًا من المشركين، ولم تكن هجرته حبًّا في الشهرة والجاه والسلطان، ولم تكن هجرته التماسًا للراحة والسكون، وإنما كانت تنفيذًا لأمر الله سبحانه وتعالى.

وانتهت هذه الرحلة بما فيها من مصاعب وأحداث، ليصل النبي صلى الله عليه وسلم إلى أرض المدينة، يستقبله فيها أصحابه الذين سبقوه بالهجرة، وإخوانه الذين أعدوا العدة لضيافته في بلدهم. فمن هجرة النبي واحتضان المدينة المنورة ، وُلدت أمة، وارتفعت راية، وتبدل مسار التاريخ، ليبقى في كل زمان من يسير على الأثر، ويجدد المعنى، ويوقن أن النصر وعد، لكن طريقه تعب، وأن الإيمان إذا استقر في القلب وحفّت به الأخوة والصبر، فذلك هو المجد، وتلك هي الرسالة.