بقلم: أحمد هارون
تُعدّ المخطوطات كنزًا مكنونًا من كنوز حضارتنا، فقد سجّل فيها علماء الإسلام أنواعًا شتّى من حقول المعرفة، يدفعهم في ذلك حبهم لدينهم وانتماؤهم لأمتهم. ولهذا فإنه يحق لنا أن نفخر بهذا التراث الحضاري العظيم ونعتزّ به، ولا بد من السير قُدمًا في مجال البحث والتنقيب وخدمة هذه المخطوطات، حتى تتم الاستفادة منها بالصورة المرجوّة.
وقد اختلف الباحثون في تاريخ بدء التحقيق وتحديده، ويغلب الظن أن تكون محاولاته الأولى قد بدأت في القرن الثامن عشر الميلادي أو التاسع عشر. ولا شك أنه اجتمع في زماننا للباحثين والدارسين ما لم يجتمع لجيل من قبل، وامتازت أدوات التحقيق في عصرنا بمزايا طيبة مثل:
تقدم التقنية، وظهور الحاسب الآلي، فقد يسَّر الحصول على المعلومات واختصر الوقت في ذلك، مع استيفاء المادة العلمية وشمولها بأيسر السبل وأقل التكاليف، وسهولة معرفة ما طُبع من الكتب وما لم يُطبع، وسهولة الحصول على المخطوط في كثير من مكتبات العالم، واختصار مراحل النشر والطبع الورقي.
وهناك ضوابط يجب أن تتوفر في محقق كتب التراث:
أن يكون المحقق متحلّيًا بالصبر والأمانة، والأمانة تكمن في أداء النص صحيحًا بلا زيادة أو نقصان، وكذلك أن يكون المحقق حريصًا على نفع الأمة من خلال تحقيق نص مفيد، وأن يكون على معرفة بأنواع الخطوط حتى يستطيع قراءة الخطوط القديمة (مشرقي، مغربي، نسخ، رقعة... إلخ)، وأن يكون على دراية كافية بالمراجع والمصادر وفهارس الكتب العربية، وبخاصة في الفن الذي يعالجه الكتاب الذي يحققه، وأن يكون ملمًّا بموضوع الكتاب الذي يريد تحقيقه، عارفًا بأصوله، مطّلعًا على مصطلحاته، قد تمرّس على أسلوب المؤلف وقرأ بعض كتبه الأخرى.
المنهج المتبع في تحقيق النصوص وينقسم إلى عدة مطالب:
المطلب الأول: اختيار الكتاب للتحقيق: هناك كم هائل من المخطوطات العربية في العالم، يقال إنها تزيد على خمسة ملايين، موزعة في المكتبات العامة والخاصة، وينبغي أن نشير إلى أن هذه الخمسة ملايين مخطوطة قد يوجد منها ما هو مكرر، فيكون للكتاب نسختان أو أكثر قد تصل إلى عشرات النسخ. كما أن هذه المخطوطات ليست كلها على درجة واحدة من الأهمية، فبعضها ذو قيمة ضئيلة لا يضيف شيئًا جديدًا، وبعضها يبحث في موضوعات محرمة شرعًا مثل السحر والتنجيم، وبعضها ينال من ثوابت الأمة وأصولها القائمة على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وإجماع الأمة، فلا تصلح للنشر والخدمة.
فنشر المخطوط إذًا ليس مرادًا لذاته، بل لخدمة العلم الذي أُلِّف فيه، ومدى الإضافة العلمية التي حواها، ومكانة مؤلفه.
والمحقق بحاجة إلى أن يميّز بين الكتب التي طُبعت والتي لم تُطبع، ويميّز الكتب المحققة تحقيقًا علميًا من سواها.



