بقلم: د. إبراهيم نجم
كل أمّةٌ تسير فى التاريخ وهي تُدير ظهرها للمستقبل، ستكون شاءت أم أبت فى مؤخِّرة الأمم مهما امتدَّ بها العمر واتَّسع لها المكان.
وأمَّتنا الإسلامية اليوم، على ما تحمله من إرثٍ حضاريٍّ عظيم ورصيدٍ معرفيٍّ ممتدّ، تعاني أزمةً معرفيّةً صامتةً فى علاقتها بالغد، تتوزَّع أعراضُها على ثلاثة أنماطٍ يُغذّي بعضُها بعضًا، ويشترك كلُّها فى مصادرة قدرة المسلم على أن يكون فاعلًا فى صناعة قدَره الحضاريّ، متروكًا لغيره يخطُّ له سطور مسيرته بيد لا تعرفه ولا ترحمه.
أوّل هذه الأنماط أنَّ فريقًا منّا آثر الهروب إلى الماضي؛ فاتَّخذ من التاريخ ملاذًا يستريح فيه من ضغوط الواقع وتحدّيات الآتي، يستدعي أمجاد الأجداد لا ليستلهم منها همّةً وبصيرة، بل ليتخفّى وراءها من مواجهة الاستحقاقات الراهنة، لقد كان التاريخ عند سلفنا الأوّل معلِّمًا يستنطقونه سُنَنَه، ومحفِّزًا يمدّهم بالعبرة والدرس، فاستحال عند هؤلاء سجنًا يحبس الوعيَ، ومخدِّرًا يُنيم العزيمة، وستارًا يواري ضعفَ الحاضر خلف عظمة الماضي. إنَّ الفارق شاسعٌ بين من يقرأ التاريخ ليؤسِّس عليه مستقبلًا، ومن يقرؤه ليسكن فيه هربًا من هذا المستقبل؛ فالأوَّل يستثمر الأمس رأسَ مالٍ للغد، والثاني يجعله قبرًا يواري فيه سوءَته الحضاريّة، ويعتذر بمآثر الأوَّلين عن قصور الآخِرين.
اقرأ أيضًا: من طشقند - حين يُعيد التاريخُ طرحَ أسئلته
وثاني الأنماط أنَّ فريقًا آخر انشغل بالحاضر انشغالًا استغرقه، فصار أسيرَ اللحظة الراهنة بأزماتها المتلاحقة ومصاعبها المتراكمة، لا يرفع بصره عن الوقائع اليوميّة ليتأمَّل ما وراء الأُفق، ولا يتَّسع صدره لسؤالٍ عن الغد وهو يلهث خلف قوت اليوم وضغط الساعة، وحين يستولي الحاضرُ الضاغط على وعي أمَّةٍ استيلاءً كاملًا، تتلاشى عندها ملكة التخطيط بعيد المدى، وتضمر فيها الرؤية الاستراتيجيّة، فتُمسي في موضع ردِّ الفعل لا في مقام المبادرة، تنتظر ما يفعله بها الآخرون لتنفعل به، بدل أن تفعل هي فيهم وفي التاريخ، وهذا انقلابٌ خطيرٌ في وظيفة العقل المسلم، الذي أوصاه القرآن الكريم بأن يمدَّ نظره في السنن والآيات، والنظرُ هنا ليس مجرَّد رؤيةٍ بصريّة، بل استشرافٌ يستنطق المآل من الحال، ويقرأ في ثنايا الواقع بذورَ ما سيكون.
وثالث الأنماط، وهو أخطرها، أنَّ فريقًا ثالثًا استمرأ التبعيّةَ المعرفيّة للآخر، فاستورد رؤى الغرب عن المستقبل ومآلاته، وتلقّاها بوصفها حتميّاتٍ مقطوعًا بحدوثها لا مندوحةَ عن التسليم بها. وهذا الفريق يعتقد من حيث لا يشعر أنَّ صناعة الرؤى المستقبليّة حكرٌ على غيره، وأنَّ نصيبه من الغد أن يتلقّى ما يُرسم له، لا أن يشارك في رسمه.
وبهذا يتخلَّى عن أخصِّ ما يميِّز أمَّةً تحمل رسالةً خاتمة، وهو أن تكون شاهدةً على الناس، مساهمةً في تشكيل الحضارة، لا شاهدةَ زُورٍ على مصيرها حين تصنعه أيدي سواها. إنَّ استيراد الرؤى المستقبليّة الجاهزة، من غير غربلةٍ ولا نقدٍ ولا تأصيل، ضربٌ من الاستعمار الناعم يسكن العقول قبل أن يسكن الأوطان.
وقد استوقفني في هذا الباب ما أشار إليه الباحث الماليزيّ وان فريزا أليتي في أطروحته الرائدة عن دراسات المستقبل في الفكر الإسلاميّ والغربيّ المعاصر، حين قرَّر أنَّ غياب التفكير المستقبليّ المنهجيّ عند المسلمين يُمثِّل واحدًا من أخطر أسباب التخلُّف الحضاريّ الذي نعانيه، وأنَّ استعادة هذا التفكير ينبغي أن تحتلَّ الأولويّة القُصوى في مشاريع النهضة والإصلاح، وقد أصاب الباحث كبد الحقيقة؛ فالأمَّة التي لا تُنتج رؤيةً لمستقبلها، تُساق إلى مستقبل غيرها سَوقًا، وتُوضع في مكانٍ لم تختره من خريطةٍ لم ترسمها.
إنَّ الخروج من هذه الأزمة الثلاثيّة يقتضي وعيًا مركَّبًا: وعيًا بالماضي بوصفه رصيدَ خبرةٍ لا قيدَ حركة، ووعيًا بالحاضر بوصفه محطَّةً في مسار لا محطَّةً نهائيّة، ووعيًا بالمستقبل بوصفه مساحةً مفتوحةً لفعلنا لا مجرَّد ساحةٍ لأفعال الآخرين.
ويقتضي كذلك إحياء علم الاستشراف في مؤسَّساتنا العلميّة والدينيّة والفكريّة، وتخريج جيلٍ من العلماء والباحثين يجمعون بين رسوخ القدم في التراث ونفاذ البصر في المآل، ويُحسنون قراءة السنن الكونيّة والاجتماعيّة قراءةً تُنبئ عن الغد لا تكتفي بوصف الأمس، ويصوغون للأمَّة رؤيةً مستقبليّةً نابعةً من ثوابتها، ناظرةً إلى متغيّرات عصرها، مستوعبةً لتجارب غيرها من غير ذوبانٍ فيها ولا انبهارٍ بها.
ولن يكون لأمَّتنا نصيبٌ من الغد إلَّا بقدر ما تجعل الغدَ حاضرًا في وعيها اليوم؛ فإنَّ من لم يحفر لنفسه في المستقبل موضعًا، حُفر له فيه قبر نهايته



