بقلم/ د. إبراهيم نجم المستشار العام لمفتي الجمهورية
في الأسبوع الفائت، وقفتُ في مركز الحضارة الإسلامية بطشقند الذي افتتحه الرئيس الأوزبكي شوكت ميرضيوييف مؤخراً، وأمامي مخطوطاتٌ نادرة، ومصاحف عتيقة تجاوز بعضها الألف عام، وتقنيات عرضٍ تحوّل الذاكرة الحضارية إلى حوارٍ حيٍّ مع الزائر، وقفتُ هناك، وفي ذهني أسئلةٌ كثيرة، لعل أعمقها: كيف يُعيد المكانُ والزمانُ معًا طرحَ القضايا الكبرى؟
اقرأ أيضًا: د. إبراهيم نجم مستشار مفتي الجمهورية: 30 يونيو استرداد لهوية وطن
قبل ثلاثة عقود تقريبًا، كنتُ طالبًا في جامعة هارفارد، في تلك السنوات التي كان فيها اسم صموئيل هنتنغتون يملأ قاعات الدرس والممرات الأكاديمية على حدٍّ سواء.
كانت أطروحته عن “صدام الحضارات” تُشكّل الوعيَ السياسي الغربي بكيفية رؤية العالم القادم: عالمٌ محكومٌ بالفصل والتنافس والصراع بين كتلٍ حضارية، يحتل فيه الإسلام موقع المنافس الأكثر إشكاليةً في نظر المؤسسة الأكاديمية الغربية، كنتُ أُصغي وأقرأ وأساجل، وكان في داخلي يقينٌ غامضٌ بأن ثمة خللًا في صميم هذه الأطروحة: إنها تصف حضارةً ميتة، أو في أحسن الأحوال جامدة، بينما الحضارة الإسلامية التي أعرفها ليست كذلك.
ثم جاء الحادي عشر من سبتمبر، فأطلق من الوعي الغربي طاقةً سالبة هائلة تجاه الإسلام والمسلمين، صارت الصفحات الأكاديمية والمنابر الإعلامية مسرحًا لسؤالٍ مُعاد الصياغة، متنوع الأشكال لكنه في جوهره واحد: “ما الذي ذهب خطأً في الإسلام؟”. وكأن الدين نفسه هو موضع التحقيق، لا السياسات، ولا الجراحات التاريخية المتراكمة، ولا منظومة النظام الدولي وما تولّده من حرمانٍ وإقصاء. كان يُزعجني في تلك الفترة أن السؤال أُفرغ من عمقه، وحُمِّل ما لا يحتمل، فتحول من تشخيصٍ نقدي إلى اتهامٍ ضمني.
ومضى عقدٌ، فجاء ما يسمي الربيع العربي ليكتب فصلا جديداً في “فشل الإسلام السياسي”، وما زلنا نعيش في تبعات هذه التجربة المريرة التي أضافت بعدا شديد الخطورة نتيجة الخلط المنتشر بين الإسلام كدين وحضارة وجماعات التأسلم السياسي التي اختزلت الإسلام في الصراع علي السلطة.
ومن هذه المحطات الثلاث في تاريخٍ قريب، أعود إلى طشقند، لأجد فيها ما يشبه الجوابَ غير المباشر على كل تلك الأسئلة، ليس جوابًا دفاعيًا، ولا خطابًا متحصّنًا يردّ الاتهام باتهام؛ بل جوابًا من منطق مختلف: هذا المبنى الذي يقف شامخًا في قلب عاصمةٍ كانت جزءًا من الحضارة الإسلامية العلمية، يقول بحجمه وتصميمه ومحتواه: إن هذه الحضارة لم تنقطع، وإن مشروعها الإنساني لم يُغلق ملفه.
والحق أن المُعضلة الحقيقية لم تكن يومًا في الإسلام، بل في الهوّة التي اتسعت في القرون الأخيرة بين الإسلام بوصفه منظومةً حضاريةً ثريةً متكاملة، وبين الواقع الذي يعيشه المسلمون في كثيرٍ من بلدانهم. حضارةٌ أنتجت الغزالي وابن رشد وابن سينا وابن خلدون والبيروني، كلهم من الفضاء الحضاري الذي تقف طشقند في قلبه، لا يُعقل أن يكون عيبها الذاتي هو مصدر أزماتها الراهنة.
الإحياء الذي تحتاجه اليوم يبدأ من إعادة بناء الإنسان: إنسانٍ يجمع بين رسوخ الهوية وانفتاح العقل، وينهل من تراثٍ عظيم ليواجه أسئلةً جديدة، لا ليختبئ وراء الموروث أو يتخلى عنه. ويمر الإحياء بمؤسساتٍ علمية حقيقية تحترم العقل وتنتج المعرفة وتُدير الاختلاف بأدبٍ ودليل. ويُتوَّج بقيمٍ إسلامية كبرى: العدل، والرحمة، والإتقان، وكرامة الإنسان؛ قيمٍ لا تُعلَّق على الجدران بل تترجَم إلى سياسات وقوانين وسلوك يومي.
اقرأ أيضًا: ثورة يونيو - من تنمية الحجر إلى صناعة البشر
في تلك القاعة بطشقند، حيث يُوجَد المصحف العثماني الشريف وتحتضنه جدرانٌ تعانق التاريخ والتقنية معًا، لم أجد وصفًا للحضارة الإسلامية بوصفها حضارة ماضٍ، بل رأيتُ إمكانيةً لمستقبل. رأيتُ صورة ما يمكن أن نكونه حين نُفارق ثنائية الانغلاق والذوبان: لا نُحكم إغلاق أبوابنا أمام العالم، ولا نفتحها على مصراعيها حتى نفقد أنفسنا، بل نُدير حوارًا واثقًا بين ما نحن عليه وما يدور من حولنا.
من طشقند، ثمة رسالةٌ تستحق أن تُسمَع: أن الحضارة الإسلامية لا تحتاج إلى من يدافع عنها بقدر ما تحتاج إلى من يُعيد بناءها، خطوةً خطوة، مؤسسةً مؤسسة، وجيلًا جيلًا.



