أخر الأخبار

ثورة يونيو - من تنمية الحجر إلى صناعة البشر

د. ابراهيم نجم
د. ابراهيم نجم

بقلم/ د. ابراهيم نجم المستشار القانوني لمفتي الجمهورية

في الثلاثين من يونيو عام ألفين وثلاثة عشر، خرج المصريون إلى الشوارع في مشهد تاريخي لم تشهد له البشريّة مثيلًا من قبل؛ ملايين الأرواح تتحرّك بوجدان واحد، ونبض واحد، ومطلب واحد، فكان ذلك اليوم إعلانًا صريحًا بأن هذا الشعب يمتلك من الوعي والإرادة ما يكفي لصياغة مصيره بيده، ومنذ ذلك اليوم، انطلقت مصر في مسيرة بناء شاملة، عمّرت فيها الأرض وشيّدت الصروح، وأقامت المدن، ومدّت الطرق، وأنشأت المجمّعات، حتى باتت العاصمة الإدارية الجديدة رمزًا يُضرب به المثل في حداثة التخطيط وضخامة الإنجاز.   

اقرأ أيضًا: سقوط القيم قبل سقوط التعليم        

غير أن ثمّة حادثةً وقعت مؤخرًا في هذه العاصمة الوليدة، أعادت إلى الأذهان تساؤلًا جوهريًا لا يمكن التغافل عنه: ففي منطقة مشجّعي كأس العالم، وفي خضمّ الفرح بأوّل انتصار لمنتخب مصر على المنتخب النيوزيلندي، أقدم بعض الحاضرين على أعمال شغب وتخريب، مخلّفين وراءهم أضرارًا مادية مؤلمة في منشآت أُنفق عليها بسخاء من المال العام، ولم يكن هذا الحادث الأول من نوعه، إذ سبقه قبل أربع سنوات تخريبٌ مشابه طال «ممشى أهل مصر» الذي لم يكد يستكمل أشهره الأولى حين امتدّت إليه أيادي الإتلاف والعبث.    

هذان الحادثان ليسا مجرّد خبرين عابرين في نشرة الأحداث، بل هما جرسا إنذار يدقّان بقوّة على باب وعينا الجمعي، ويستدعيان مراجعةً صادقة لمنظومة قيمنا التربوية والتعليمية. فما الجدوى من بناء المدن الذكية إن لم نبنِ الإنسان الذكي الذي يسكنها؟ وما معنى الإنجاز الحضاري إن لم يُوازيه إنجاز في الضمير الإنساني؟.                              

هنا يكتسب شعار «البشر قبل الحجر» معناه الأعمق في سياق ذكرى الثلاثين من يونيو، فتلك الثورة لم تكن في حقيقتها ثورةً على نظام سياسي فحسب، بل كانت إعلانًا عن رغبة حضارية عارمة في استعادة الكرامة الوطنية بكلّ أبعادها؛ السياسية والاقتصادية والأخلاقية والتعليمية، ولعلّ أبلغ ما يُميّز هذه الثورة أنها أيقظت في المصريين حسَّ المسؤولية الجماعية، وجعلت من الشأن العام شأنًا يخصّ كلّ فرد، وعليه، فإن التخريب الذي يطال المال العام ليس سلوكًا فرديًا معزولًا، بل هو خيانة لروح الثلاثين من يونيو ذاتها. 

قال الإمام الشيخ محمد عبده، رائد المدرسة الإصلاحية: “من يريد خير البلاد فلا يسعى إلا في إتقان التربية، وبعد ذلك يأتي له جميع ما يطلبه بدون إتعاب فكر ولا إجهاد نفس، أمر التربية هو كل شيء، وعليه يُبنى كل شيء» وكأن هذه الكلمات كُتبت لزماننا هذا بعينه، فالتربية هي المفتاح الحقيقي لكل إصلاح، والتعليم هو الاستثمار الذي لا تتقادم عوائده ولا تفنى أرباحه، وما نراه من مظاهر التخريب والعبث بالممتلكات العامة ليس سوى ثمرة مُرّة لعقود من الإهمال في بناء الإنسان، وإهدار قيم المواطنة والانتماء.   

إن دولة الثلاثين من يونيو، وهي تحتفل بذكراها الثالثة عشرة، مدعوّةٌ أكثر من أي وقت مضى إلى إعلاء أولوية الاستثمار في الإنسان؛ بإصلاح المنظومة التعليمية إصلاحًا جذريًا يُعيد لها هيبتها ودورها، ويوحّد مساراتها المتشعّبة التي باتت تُكرّس الانقسام الطبقي بدلًا من تذويبه، ولقد عُرفت مصر في عهودها الزاهرة بأن المدرسة الحكومية كانت فضاءً يلتقي فيه أبناء الباشا والفلّاح، وأبناء المدينة والريف، على مائدة معرفة واحدة ومستوى جودة متكافئ، فأنتجت ذلك الجيل الذي بنى الدولة وصان كرامتها.   

إن أوثق الروابط بمبدأ ثورة الثلاثين من يونيو ليست الجسور والمباني، وإن كانت شواهد على الإرادة والعزيمة، بل هي في النهضة البشرية المتجذّرة؛ في المواطن الذي يُدرك معنى المسؤولية، ويصون ما أنفقت بلاده في بنائه، ويرى في ممتلكات الدولة امتدادًا لكرامته الشخصية، وحين نبلغ هذا المستوى من الوعي الحضاري، يكون الثلاثون من يونيو قد أتمّ رسالته بحقّ، لا حين نُشيّد أبراجًا وطرقًا، بل حين نُشيّد إنسانًا يستحقّها.

 

طقس القاهرة اليوم
?? --°م
جاري التحميل...

أسعار العملات مقابل الجنيه المصري

العملة سعر الصرف
🇺🇸 الدولار الأمريكي (USD) جاري التحميل...
🇪🇺 اليورو الأوروبي (EUR) جاري التحميل...
🇸🇦 الريال السعودي (SAR) جاري التحميل...
🇦🇪 الدرهم الإماراتي (AED) جاري التحميل...
🇰🇼 الدينار الكويتي (KWD) جاري التحميل...
* الأسعار يتم تحديثها تلقائياً عالمياً وموجهة إرشادياً

أسعار الذهب والفضة في مصر اليوم

البيان (جرام) السعر التقريبي
✨ ذهب عيار 24 جاري الحميل...
👑 ذهب عيار 21 (الأكثر طلباً) جاري التحميل...
🔸 ذهب عيار 18 جاري التحميل...
🥈 فضة عيار 925 (خام) جاري التحميل...
* الأسعار عالمية وتُحسب بناءً على الصرف الفوري بدون مصنعية

ترشيحاتنا