من أقسى ما يمر به الإنسان أن ينظر خلفه بعد سنوات من العطاء، فيجد أن من وقف بجانبهم يتصرفون وكأن شيئًا لم يكن، وربما أنكروا ما كان بينهم، أو أعادوا رواية الأيام بما يوافق أهواءهم، ولا يقف الأمر عند هذا الحد، فقد يجدهم أكثر الناس قسوة عليه، وكأن ما بذله لهم أصبح ذنبًا يدفع ثمنه من راحة قلبه، ويُعاقَب لأنه أحبهم، وآثرهم على نفسه، ولم يتخيل أن تكون الطعنة ممن منحهم مكانة لم يمنحها لغيرهم.
فالوجع الحقيقي لا يكون فى ضياع ما قدمه الإنسان، وإنما فى اكتشافه أن من كانوا أقرب الناس إلى قلبه لم يحافظوا على أبسط ما كان بينهم عندها لا يؤلمه ما مضى بقدر ما يؤلمه تغير النفوس، فيبدأ بمراجعة نفسه، ويسأل: هل أخطأت حين أعطيت من قلبي؟ وهل كان من الأفضل أن أحسب لكل شيء حسابًا؟ ثم يدرك، بعد هدوء، أن الخطأ لم يكن فى صفاء نيته، وإنما فى سوء تقدير من لم يعرف قيمة الوفاء.
ولعل أكثر ما يؤلم أن بعض الناس لا يرون أنفسهم مخطئين، بل يقنعون أنفسهم أنهم الأقوى، وأن تجاهل الماضي دليل على القوة لا على الضعف، وينظرون إلى الطرف الآخر وكأنه هو من خسر، بينما الحقيقة مختلفة، فالقوة ليست فى إنكار الفضل، ولا فى قلب الحقائق، وإنما فى أن يبقى الإنسان وفيًا لما عاشه، عادلًا حتى مع من اختلف معهم، أما الظلم، فقد يمنح صاحبه شعورًا مؤقتًا بالانتصار، لكنه يتحول إلى خسارة لا يدركها إلا بعدما يفوت الأوان.
وهنا تهدأ النفس، فلا يعود همها أن يعترف الناس بما كان، ولا أن تنتصر على أحد؛ لأن ما كان لله لا يضيع عند الله، ينسى الناس، وقد يجحدون، وقد يبدلون الحقائق، لكن رب العباد لا يغفل ولا ينسى، قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾.
اللهم لا تجعل جحود الناس يطفئ فى قلوبنا حب الإحسان، ولا يحرمنا أجر ما قدمناه ابتغاء وجهك، واجعل يقيننا بك أكبر من ألمنا من الناس، فأنت خير من يحفظ الود، وخير من يفصل بين عبادك يوم الدين.



