بقلم: د. إبراهيم نجم - المستشار العام لمفتي الجمهورية
الدعوات التي تتكرّر كل بضع سنواتٍ إلى «تطوير المناهج» و«تحديثها» صارت روتيناً إدارياً أكثر منها مشروعاً حضارياً: نضيف فصلاً، نحذف درساً، نغيّر غلافاً، ونظنّ أنّنا واكبنا العصر وهذا وهمٌ خطير.
فالمشكلة ليست فى محتوى الكتاب بل فى فلسفة التعليم نفسها: فلسفةٍ تقوم على أنّ المتعلّم وعاءٌ يُملأ لا عقلٌ يُوقَد، وأنّ المعرفة كميةٌ تُخزَّن لا أداةٌ تُستعمل. وقد سقطت هذه الفلسفة سقوطاً مدوّياً يوم صارت كل معلومةٍ فى الدنيا على بُعد سؤالٍ من أيّ هاتف.
اقرأ أيضا| لحظة الانكشاف: حين يبحث الغرب عن المعنى
ما قيمة عقلٍ دُرِّب طوال اثنتي عشرة سنةً على ما تؤدّيه آلةٌ فى ثانية؟
هنا يتجلّى جوهر الأزمة: نحن نُعِدّ أبناءنا لمنافسة الآلات في ما تُتقنه الآلات، بدل أن نُعِدّهم لما لا تُتقنه. إنّ الذكاء الاصطناعي يحفظ ويسترجع ويرتّب، لكنه لا يسأل سؤالاً نابعاً من حيرةٍ وجودية، ولا يميّز الغثّ من السمين بميزانٍ أخلاقي، ولا يبدع معنىً جديداً من فراغ. هذه — التفكير النقدي، والحكم القِيَمي، والإبداع، والقدرة على التحقّق والتمحيص — هي المهارات التي ينبغي أن تكون قلب أيّ تعليمٍ جديد. وهي، وللمفارقة، عين ما دعا إليه القرآن حين خاطب العقل لا الحفظ: ﴿أفلا يتدبّرون﴾، ﴿أفلا تعقلون﴾، ﴿فاعتبروا يا أولي الأبصار﴾. لم يطلب منّا الوحي أن نكون مستودعاتٍ للنصوص، بل أن نكون أهل نظرٍ واعتبار. فالتلقين الذي ندافع عنه باسم “الأصالة” هو في حقيقته خيانةٌ لروح الأصالة ذاتها.
والشواهد على خطورة التأخّر تتكاثر أمام أعيننا. تقاريرُ المنتدى الاقتصادي العالمي تنبّه منذ سنواتٍ إلى أنّ ملايين الوظائف ستتبدّل، وأنّ المهارات الأكثر طلباً في السنوات القادمة هي التحليل والإبداع والمرونة الذهنية، لا الحفظ والتكرار.
ودولٌ أدركت ذلك مبكراً، كفنلندا وسنغافورة وإستونيا، أعادت هندسة تعليمها حول حلّ المشكلات والتفكير لا حول كمّ المحفوظات، فقطفت ثمار قرارها نهضةً علميةً واقتصادية. ونحن ما زلنا نقيس نجاح الطالب بمقدار ما ينسى بعد الامتحان.
وليست المسألة ترفاً تربوياً، بل عدالةٌ بين الأجيال. حين نُصرّ على نموذجٍ تجاوزه الزمن، فنحن نظلم أجيالاً كاملةً نقذف بها إلى سوقٍ عالميٍّ لا يرحم، عُزّلاً من السلاح الوحيد الذي ينفع: عقلٌ يفكّر ويتكيّف ويبتكر. إنّ كل عامٍ نضيّعه في الجدل حول الترقيع هو دفعةٌ جديدةٌ من الشباب تُلقى في الإعصار بلا مظلّة.
إنّ الإصلاح الحقيقي يبدأ من إعادة تعريف الغاية: ماذا نريد من الإنسان المتعلّم؟ إن أردناه حافظاً فقد سبقتنا الآلة وأخجلتنا، وإن أردناه عاقلاً مفكّراً مبدعاً صاحب ضميرٍ وذوقٍ ورؤية، فتلك غايةٌ لا تبلغها مناهج التلقين ولو رُمِّمت ألف مرة. هذه ثورةٌ في الفلسفة قبل أن تكون تغييراً في الكتب، وفي تكوين المعلّم قبل تغيير المقرّر، وفي ميزان التقويم قبل تعديل المنهج.
لقد علّمنا التاريخ درساً قاسياً لا يُنسى: الأمم لا تُستأصَل بالحروب وحدها، بل تُهمَّش حين تتخلّف عن موجة المعرفة فتصبح مستهلِكةً لما يصنعه غيرها، تابعةً في فكرها كما هي تابعةٌ في خبزها. ومن لا يواكب هذا التحوّل اليوم سيجد نفسه خارج التاريخ غداً، يتفرّج على عصرٍ يُصنَع بأيدي الآخرين. والاختيار، رغم هول الإعصار، ما زال بأيدينا — لكنه لن يبقى كذلك طويلاً.
ولعلّ أخطر ما في الأمر أنّ بعض القائمين على شأننا التعليمي ينظرون إلى الذكاء الاصطناعي نظرة الخائف المتربّص، فيحرّمون على الطالب أدواته خشية الغشّ، ويسدّون في وجهه باباً سيقتحمه العالم كله من حوله.
وهذا قصرُ نظرٍ يكرّر خطأ أسلافنا يوم خافوا المطبعة قروناً، فتأخّر العقل العربي عن ركب التدوين والنشر أجيالاً.
إنّ الحكمة ليست في تحريم الأداة بل في إتقان استعمالها وترشيده؛ فالقلم لا يُذمّ لأنّ يداً أساءت الكتابة به. والمطلوب أن نعلّم الناشئة كيف يحاورون هذه الآلات ويستنطقونها ويراجعون مخرجاتها بعقلٍ ناقدٍ لا يُسلّم ولا يستسلم، فيكون الذكاء الاصطناعي خادماً لعقولهم لا بديلاً عنها.
وهنا تبرز مسؤولية المؤسسة الدينية على وجه الخصوص. فإذا كان التعليم العام مدعوّاً إلى الثورة، فإنّ التعليم الديني أحوج إليها وأشدّ، لأنّه حارس المعنى وضمير الأمة.
لا يكفي أن يحفظ طالب العلم المتون ويرصّ النصوص، بل عليه أن يفقه مقاصدها ويُنزِلها على نوازل عصرٍ تتلاحق فيه الأسئلة الأخلاقية الجديدة: من تحرير النسل والذكاء الاصطناعي إلى هندسة الجينات وحدود الخصوصية.
إنّ فقيهاً يحفظ ولا يفقه، ويردّد ولا يجتهد، سيقف عاجزاً أمام عالمٍ يسأل بأسئلةٍ لم تكن في كتب الأقدمين فالاجتهاد روحُ شريعتنا، والاجتهاد لا يُولَد من رحم التلقين، بل من عقلٍ دُرّب على النظر والموازنة والاستنباط.



