لحظة الانكشاف: حين يبحث الغرب عن المعنى

 د. إبراهيم نجم
 د. إبراهيم نجم

بقلم:  د. إبراهيم نجم
المستشار العام لمفتي الجمهورية

 

يعيش الغرب اليوم لحظة فارقة فى مساره الحضاري؛ لحظة انكشاف ذاتي يُعيد فيها بعض أبنائه التساؤل عن المرجعية والمعنى والقيم. فبعد عقود من الثقة المطلقة فى الوعد الليبرالي بأن التحرر من كل القيود سيُفضي إلى السعادة، تتعالى اليوم أصوات تُشكك فى هذا الوعد الذي تحوّل إلى وهم. ارتفاع معدلات الاكتئاب والانتحار، وانهيار البنية الأسرية، والفراغ الروحي رغم الوفرة المادية؛ كلها مظاهر لأزمة معنى حقيقية تعصف بالحضارة الغربية.

اقرأ أيضا| ما وراء الهوس بالأنظمة الغذائية؟

فى خضم هذه الأزمة، بدأ بعض المفكرين والمثقفين الغربيين — من اليمين واليسار — يلتفتون نحو الإسلام باحثين عن مرجعية بديلة. فهم يرون فيه منظومة قيمية راسخة، ومعنىً يتجاوز الذات الفردية، ونظاماً يحفظ تماسك المجتمع دون أن يسقط فى الفوضى أو الانفلات وهذا ما يُفسر ظواهر لافتة كإعجاب شخصيات يمينية بارزة بالإسلام، وإقبال أعداد متزايدة من الغربيين على اعتناقه.
لكن علينا أن ندرك حقيقة جوهرية: الإسلام لا يحتاج إلى صك اعتراف من مفكري الغرب أو سياسييه. فهو رسالة ربانية جاءت رحمة للعالمين منذ أربعة عشر قرناً، وظل يُقدم للبشرية نموذجاً حضارياً متكاملاً بصرف النظر عمن يُعجب به أو يُعاديه. إن حقانية الإسلام لا تستمد من موافقة الآخرين، بل من كونه الدين الذي ارتضاه الله للبشرية: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي).
ولذا فإن الانبهار فقط بشهادات بعض الغربيين للإسلام خطر حقيقي. فكثير ممن يُبدون إعجاباً إنما يبحثون عن أداة لتحقيق أهداف سياسية آنية، لا عن الحق الذي يحمله الإسلام. وما إن تتحقق تلك الأهداف أو تتبدل الظروف، حتى يتحول الإعجاب إلى عداء أو لامبالاة. فالموقف الصحيح أن نُقدّر هذه اللحظة بوصفها فرصة للدعوة والحوار، لا بوصفها شهادة نحتاج إليها أو اعترافاً نطلبه.
إن ما يُلزم العلماء والمفكرين والدعاة اليوم هو الانخراط بعمق فى المحادثة الحضارية الكبرى. فالبشرية تبحث عن إجابات للأسئلة الوجودية: ما معنى الحياة؟ ما المرجعية الأخلاقية الصحيحة؟ كيف نبني مجتمعاً متماسكاً؟ والإسلام يملك إجابات شافية مستمدة من الوحي ومن تجربة حضارية ممتدة.
غير أن الانخراط الفعال يستلزم ثلاثة أمور: أولاً، تقديم الإسلام بصورته الحقيقية الكاملة — لا بصورة مجتزأة تُرضي توجهاً سياسياً بعينه. ثانياً، الانتفاع بكل فرصة للحوار مع من يُبدي اهتماماً أو حتى عداءً للإسلام، فالحوار الحضاري يذهب إلى الناس حيث هم بالحكمة والموعظة الحسنة. ثالثاً، رفض أن يُوظَّف الإسلام أداةً فى صراعات أيديولوجية غربية ليست من طبيعته.
والحاجة ماسّة إلى نموذج حي يُجسد قيم الإسلام فى الواقع. فالبشرية تتعلم من القدوة أكثر مما تتعلم من الوعظ المجرد. ولذا فإن المسئولية لا تقتصر على الحوار اللفظي، بل تمتد إلى بناء نماذج حضارية إسلامية معاصرة — فى الأسرة والمجتمع — تُبرهن على أن الإسلام قادر على تقديم حلول عملية لمشكلات العصر.
لحظة الانكشاف الذاتي التي يعيشها الغرب اليوم هي فى جوهرها دعوة للمسلمين لكي ينهضوا بواجب الشهادة. فالبشرية تبحث عن الهداية، والإسلام فى تعاليمه وقيمه الخالدة يحقق معالم الهداية، وما يُطلب منا ليس أن نفرح بشهادات أو نحزن لعداوات، بل أن نُقدم الإسلام بثقة واعتزاز، وبحكمة ورحمة.

 

ترشيحاتنا