بقلم: د. أسامة هاشم الحديدي - مدير مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية
بعد انقضاءِ أزمانِ العبادةِ ومواسمِها، وخاصَّةً عبادةَ الحجِّ، حيث يعودُ الإنسانُ إلى بلادِه وأولادِه ومالِه وأهلِه، وقد أدَّاها بإخلاصٍ وإتقانٍ، يعودُ مُحمَّلًا بالخيرِ والبركاتِ، ويعودُ وكأنَّه وُلِدَ من جديدٍ؛ فقد تساقطت ذنوبُه، وأصبحت صفحتُه بيضاءَ ناصعةً بعد رحلةِ العمرِ هذه، التي خلع فيها ثيابَ الدُّنيا ليبدأَ من جديدٍ.
اقرأ أيضا| فــوائد الحـــجّ
وهذه العودةُ ليست مجرَّدَ عودةٍ، بل هي انطلاقةٌ نحو ترتيبِ حياةٍ مختلفةٍ، لا بدَّ أن تقومَ على الطاعةِ والاستقامةِ، وأن يستمرَّ على النقاءِ الذي لازمه في هذه الرحلةِ المباركةِ، فذلك هو التحدِّي الأكبر.
والاستقامةُ بعد الطاعةِ هي أهمُّ علامةٍ من علاماتِ قبولِ العملِ الصالحِ، والاستقامةُ بعد الحجِّ تعني أن يُرى من الحاجِّ العائدِ تغييرٌ في عباداتِه وتصرفاتِه ومعاملاتِه وأخلاقِه؛ فليس من المنطقيِّ أن يعودَ هذا الذي غُفِرَت ذنوبُه إلى نفسِ المعاصي والآثامِ التي تركها خلفَه.
ولا بدَّ أن يستمرَّ الحاجُّ على العباداتِ التي كان يداومُ عليها طيلةَ فترةِ حجِّه من الصلاةِ والذكرِ والدعاءِ والتكبيرِ والتحميدِ والتهليلِ وقراءةِ القرآنِ الكريم.
فالحجُّ مدرسةٌ إيمانيَّةٌ كاملةٌ؛ فهو مدرسةُ الصبرِ وتحمُّلِ المشاقِّ والتعاملِ مع الغيرِ على اختلافِ ألوانِهم ولغاتِهم وألسنتِهم، ولذلك لا بدَّ من التغييرِ إلى الأفضلِ مع الأهلِ والجيرانِ والأصدقاءِ والأقاربِ والزملاءِ في العمل.
ولا بدَّ من الانتهاءِ عن آفاتِ اللسانِ من الكذبِ والغيبةِ والنميمةِ وشهادةِ الزورِ، ولا بدَّ من التسامحِ والعفوِ، ولا بدَّ من إيصالِ الحقوقِ إلى أهلِها وتطهيرِ مالِه من أيِّ علائقَ.
وليحذرِ الحاجُّ من العُجبِ بما فعلَ في حجِّه من الطاعاتِ؛ لأنَّه إذا تسلَّل ذلك إلى قلبِه أصابَه الغرورُ، فلا بدَّ أن يستشعرَ الحاجُّ التقصيرَ والافتقارَ إلى الله تعالى دائمًا، حتى يداومَ على كلِّ خيرٍ ونفعٍ له ولأهلِه وبلادِه.
كما لا بدَّ من الدعاءِ بالثباتِ على العملِ الصالحِ والاستقامةِ والهداية.
إنَّ الحجَّ ليس النهايةَ، بل هو البدايةُ ونقطةُ التحوُّلِ الكبرى.
فليُظهِرْ كلُّ حاجٍّ ما تعلَّمه من خيرٍ ونفعٍ في هذه الرحلةِ الميمونةِ، وليجعلْ على لسانِه وعينِه وأذنِه رقيبًا، لتظهرَ قيمُ الحجِّ العُليا من سلامٍ ورحمةٍ، ولتظلَّ أنوارُ الحجِّ دائمًا ساطعةً في وجهِه.



